الموجز عبد الكافي بن يوسف بن إسماعيل التناوتي الوارجلاني أبو عمار

الجزء الأول من كتاب الموجز

الجزء ١ · صفحة ٣١٤

فكانت على ما أتت به الأخبار، من ذلك قوله تعالى: ﴿ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون﴾ (1) ، وكانت فارس غلبت الروم على أرض الجزيرة، وهي أدنى أرض الروم من سلطان فارس، فسر بذلك مشركو قريش، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على أهل فارس؛ لأن الروم أهل كتاب، وفارس مجوس، فساءهم أن غلبوهم على شيء من بلادهم، فأنزل الله عزّ وجلّ: ﴿وهم من بعد غلبهم سيغلبون﴾، أي الروم بعد أن غلبوا سيغلبون أهل فارس في بضع سنين، والبضع عند أهل اللغة: ما فوق الثلاثة ودون العشرة، فغلبت الروم أهل فارس، وأخرجوهم من ديارهم يوم الحديبية (2) ، وذلك بعد سبع سنين، ثم قال الله عزّ وجلّ: ﴿لله الأمر من قبل ومن بعد﴾ (3) ، أي له القضاء بالغلبة لَمن يشاء من قبل ومن بعد، ﴿ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله﴾ (4) ، أهل الكتاب على المجوس، وبتصديق الله عزّ وجلّ ما وعد من ذلك، ومن أعجب ما في الآية: تحديد الله عزّ وجلّ للوقت في بضع سنين، ولم يقل: ﴿وهم من غلبهم سيغلبون﴾ فيما بعد، ثم قال مؤكداً لما وعد محققاً: ﴿وعد الله لا يخلف وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ (5) ، والقصة في هذا مشهورة بين أبي بكر الصديق _رضي الله عنه_ وبين أُبيّ بي خلف _لعنه الله_ (6) .

خبر آخر:

قوله عزّ وجلّ: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه

(1) - سورة الروم، آية رقم 1ـ 4.

(2) - راجع ما كتبه ابن هشام في سيرته ج2، وما كتبه ابن كثير في كتابه القيم البداية والنهاية.

(3) - سورة الروم، آية رقم 4.

(4) - سورة الروم، آية رقم 5.

(5) - سورة الروم، آية رقم 6.

(6) - هو أبي بن خلف بن وهب بن حذافة، كان والده أحد الرجال الصناديد الذين عرفوا حلو الحياة ومرها، والذي عاش حياته في جهد ونصب، وجاب أقطار الأرض بتجارته، وأخوه أمية بن خلف الذي وقف في وجه الرسول الكريم يصده عن تبليغ دعوته. راجع رجال أنزل الله فيهم قرآناً للمحقق 4/314 وما بعدها.

٦١ / ٤٦٠