الجزء الأول من كتاب الموجز
الجزء ١ · صفحة ٣٢٨رسول الله يصف لهم بيت المقدس، لا يغادر من صفته شيئاً، قال لهم: وآية ذلك أني مررت في طريقي بعير لبني فلان، فضَّل لهم بعير فدللتهم عليه، وأني مررت في طريقي بعير بني فلان والقوم نيام، فوجدت لهم إناء مملوءاً قد غطوه، فشربت ما فيه، ورددت عليه غطاءه، وهي الآن تطلع عليكم من ثنية كذا، يقدمها جمل أورق (1) ، عليه غرارتان: إحداهما سوداء، والأخرى زرقاء، فابتدر المشركون الثنية (2) فوجدوا أمر البعير كما قال لهم رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_، وسألوا أهل البعير عن أمر الإناء فأخبروا أنهم غطوا الإناء مملوءاً، وأنهم وجدوه فارغاً، ثم جاءت البعير الأخرى فسألوا أهلها عن البعير الناد (3) لهم فأخبروا به، كما أخبر رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_. (4)
ومن ذلك أخباره بما يفتح الله على المسلمين من فارس والروم، وبأن كنوز كسرى ملك الفرس، وقيصر ستنفق في سبيل الله، ولذلك قال بعض المنافقين يوم الخندق: يعدنا محمد كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يأمن أن يذهب لحاجته (5) ، وفي ذلك قال الله: {وإذ يقول المنافقون والذي في قلوبهم مرض
(1) جمل أورق: أي لا زال في مقتبل العمر والفتوة، وفي لونه سواد إلى بياض. وقال أبو عبيدة: الأورق أطيب الإبل لحماً وأقلها شدة على العمل والسير. وأورق الشجر أخرج ورقه، قال الأصمعي: يقال (ورق) الشجر و (أورق) والألف أكثر، ورَّق أيضاً (توريقاً)، والوراقة: الشجرة الخضراء الورق الحسنة. ويقال للحمامة ورقاء لأن في لونها بياض إلى سواد.
(2) الثنية: واحدة (الثنايا)، وهي أيضاً الطريق.
(3) البعير الناد: أي البعيد الذي توغل بعيداً عن القافلة.
(4) هذا جزء من حديث رواه أبو يعلي في مسنده عن محمد بن إسماعيل الأنصاري عن ضمرة بن ربيعة عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني عن أبي صالح عن أم هانئ، ورواه الحافظ أبو القاسم الطبراني من حديث عبد الأعلى بن أبي المساور عن عكرمة عن أم هانئ، ورواه ابن كثير في تفسيره كاملاً 3/22.
(5) الذي تكلم بهذا الكلام معتب بن قشير، وأوس بن قيظي، وغيرهما من المنافقين.