الجزء الأول من كتاب الموجز
الجزء ١ · صفحة ٢٦٢بوقوع غيره قبله إلى ما لا يتناهى بطلان وقوع شيء منها، فلو استثنينا واحداً من هذه الأشياء من هذا الشرط لكان غير مستحيل وقوع ما بعده وحدوثه، والقول في العدد أيضاً كالقول فيما ذكرنا؛ وذلك أن العدد لا يقع إلاَّ وله أول يبتدأ منه، ولولا أنه كان له أول يتبدئ منه لم يجب وقوع شيء منه أبداً، فإذا كان له أول يبتدئ منه ثبت وقوع شيء مما بعده، ولعل قائلاً منهم يقول: إن هذه الأشياء التي استدللتم بحدوثها على حدوث الجسم كانت كامنة في الجسم تظهر في حال، وتكمن في حال، وهي مع ذلك قديمة بقدم الجسم، فيقال له: كيف يجوز أن يكمن السكون في موضع هو متحرك، أو تكمن الحركة (1) في موضع هو ساكن، أو يكمن الافتراق في جزءين مجتمعين، أو يكمن الاجتماع في جزءين مفترقين، وهل يكون ذلك إلاَّ وقد حل الشيء ومضاده (2) في محل واحد، في حالة واحدة، فهذا يوجب المعنى الأول الذي أنبأنا على فساده في ماضي كلامنا في إثبات الجسم ساكناً متحركاً في حال واحدة، مجتمعاً متفرقاً في حال واحدة، وعلى أنه لو لم يجب ذلك، وكان ما زعم هذا الزاعم من كمون هذه الأعراض صحيحاً لكان الكلام قائماً والسؤال لازماً، من قبل أن هيئة الجسم في حال كمون الكامن فيه، بخلاف هيئته في حال ظهوره فيه، وإذا
(1) - الحركة: هي عبارة عن كون الجسم في مكان عقيب كونه في مكان آخر، وقيل: الحركة كونان في آنين في مكانين.
والمتكلمون إذا أطلقوا الحركة وأرادوا بها الحركة الأينية المسماة بالنقلة، وهي المتبادرة في استعمال اللغة، وقد تطلق عندهم على الوضعية دون الكمية والكيفية.
والحركة لا تقع وصفاً بالذات إلاَّ للمتحيّز بالذات، والحركة أعم من النقلة لوجود الحركة بدونها فيمن يدور في مكانه.
والحركة الكمية كحركة النمو: وهو أن يزداد مقدار الجسم في الطول والعرض والعمق، وذهب الرازي إلى أن النمو والذبول ليسا من الحركة، وكلام الشريف يميل إليه، والحركة الكيفية المحسوسة كحركة الماء من البرودة إلى السخونة، والحركة الكيفية النفسانية: كحركة النفس في المعقولات، فتسمى فكراً، كما أنها من المحسوسات تسمى تخيلاً.
والحركة الوضعية: كحركة الجسم من وضع إلى وضع آخر، ككون القاعد قائماً، وكحركة الفلك في مكانه على الاستدارة.
والحركة الأينية: كحركة الجسم من مكان إلى مكان آخر، راجع المعجم الفلسفي.
(2) - الضد والضديد واحد، والأضداد، وقد يكون الضد جماعة قال الله تعالى: ﴿ويكونون عليهم ضداً﴾ (سورة مريم:82)، وقد ضاده مضادة وهما متضادان، ولا ضديد له: أي لا نظير له ولا كفء له. راجع التعريفات للجرجاني.