الميزان القسط المنهج والتطبيق في دراسة ونقد روايات رؤية الله سبحانه وتعالى للحجري
الجزء ١ · صفحة ١٤٤ولم يقف الحافظ ابن حجر عند حدود التقديرات، بل تعدى ذلك إلى ما هو أعظم منه، فقد قال: " ومعنى حديث الباب أن مقتضى عزة الله واستغنائه أن لا يراه أحد، لكن رحمته للمؤمنين اقتضت أن يريهم وجهه كمالاً للنعمة، فإذا زال المانع فعل معهم خلاف مقتضى الكبرياء فكأنه رفع عنهم حجاباً كان يمنعهم … "_ المرجع السابق، ج15 /ص395 _.
إن الإنسان قد يلجأ إلى التوفيق بين رأيين في مسألة عملية جاءت فيها أدلة ظاهر بعضها مخالف لبعض، ولكن حينما يتحدث الإنسان عن صفات الخالق جل وعلا، وحينما يتحدث عن عزته وكبريائه سبحانه فإن الأمر يختلف تماماً.
فالكبرياء لله ثابتة لا يتخلى عنها سبحانه في أي زمن من الأزمان ولا لأي سبب من الأسباب، ومقتضى هذه الصفة الذاتية عدم رؤية الأبصار له في الدنيا والآخرة كما بين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقول ابن حجر: " … فعل معهم خلاف مقتضى الكبرياء …" فيه ما فيه من الخطورة، إذ كيف يتصور الإنسان أن ربه جل وعلا يقضي الأمور ويقدرها بخلاف كبريائه وعزته؟
فالله تعالى كما أنه لا يتخلى عن الوحدانية والصمدية وكل صفاته الذاتية فهو لا يتخلى عن كبريائه وعزته أبداً.
حتى ولو ثبتت الأدلة في رؤية الله سبحانه وتعالى – وهذا لم يثبت أبداً –، ما كان لأي أحد أن يعتمد عليها في قول مثل هذه الأقوال التي تصور الله سبحانه وتعالى خالقاً للأمور من غير مقتضى صفاته الذاتية.
إن ربط نفي رؤية العباد لله تعالى في عرصات الجنان بدوام كبرياء الله جل وعلا هو المعنى الظاهر من حديث أبي موسى الأشعري.
وبثبوت استحالة رؤية المؤمنين لرب العزة في عرصات الجنان يتضح المعنى الصحيح لقول الله تعالى: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ).