الميزان القسط المنهج والتطبيق في دراسة ونقد روايات رؤية الله سبحانه وتعالى للحجري
الجزء ١ · صفحة ١٧٤فإدراك البصر للمرئي عند علماء اللغة العربية، وحسب استعمالات الفقهاء وأهل العلوم الهندسية والطب، هو رؤيته للمرئي. ولم يأت عندهم معنى إدراك الأبصار بالإحاطة.
والذين فسروا الإدراك بـ"الرؤية على نعت الإحاطة بجوانب المرئي "_ تفسير الألوسي، ج 4/ص 231
نص قول الألوسي:" … الإدراك ليس هو الرؤية المطلقة وإن اختاره – على ما نقله الآمدي – أبو الحسن الأشعري وإنما هو الرؤية على نعت الإحاطة بجوانب المرئي كما فسره ابن عباس رضي الله تعالى عنهما … ". _،_ تفسير الثعالبي، ج1/ص503
نص قول الثعالبي: " والرؤية لا تفتقر إلى أن يحيط الرائي بالمرئي ويبلغ غايته. وعلى هذا التأويل يترتب العكس في قوله: (وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ) ويحسن معناه. ونحو هذا روي عن ابن عباس وقتادة وعطية العوفي أنهم فرقوا بين الرؤية والإدراك".
وجاء نحو هذا القول عند أبي حيان الأندلسي (البحر المحيط، ج4/ص198) . _ قد اعتمدوا على رواية ضعيفة منسوبة إلى ابن عباس رضي الله عنهما من طريق عطية العوفي المدلس الضعيف_ انظر ما قاله علماء الجرح في عطية العوفي في ص 5 من هذا البحث._.
وقد اعترف الشوكاني بضعف عطية العوفي_ قال الشوكاني: " وفي إسناده عطية العوفي وهو ضعيف " (فتح القدير، ج2/ص209) _ ولكنه مع هذا اعتمد على روايته التي نسبها إلى ابن عباس حين قال: " … وإدراك الشيء عبارة عن الإحاطة به … فالمنفي هو هذا الإدراك لا مجرد الرؤية "_ المرجع السابق، ج2/ص 208-209 _.
من هذه النصوص ندرك أن الذين ذهبوا إلى تفسير (تُدْرِكُهُ) بالإحاطة قد خالفوا ما ثبت عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وخالفوا علماء اللغة، واتبعوا الضعيف من الروايات. فكان من نتائج ذلك أن أتوا بالاحتمالات والتخمينات في فهم كلام الله تعالى وربط صفات الباري سبحانه وتعالى بالدنيا والآخرة.