الميزان القسط المنهج والتطبيق في دراسة ونقد روايات رؤية الله سبحانه وتعالى للحجري
الجزء ١ · صفحة ١٧٧قطعاً لا يقصد أبو العالية بقوله: " وتدركه أبصار المؤمنين في الآخرة " معنى " الإحاطة بالشيء والوصول إلى أعماقه وحوزه من جميع جهاته "_ تفسير الثعالبي، ج1/ص503 _، ولكنه يقصد الرؤية البصرية. ويتضح هذا المعنى بما ورد في تفسير الجلالين: " (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ): أي لا تراه، وهذا مخصوص لرؤية المؤمنين له في الآخرة، لقوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)"_ تفسير الجلالين، ص141_.
وقال الألوسي: " لكن لا نسلم عمومه في الأحوال والأوقات، أي لا نسلم أنها دائمة، لجواز أن يكون المراد نفي الرؤية في الدنيا كما يروى تقييده بذلك عن الحسن وغيره "_ تفسير الألوسي، ج4/ص 231 _.
ولقد تبين أن جميع الروايات المنسوبة إلى الحسن البصري وغيره ضعيفة _ راجع الروايات في ص 5 وما بعدها من هذا البحث._، فتخصيص نفي رؤية الله سبحانه وتعالى في الدنيا دون الآخرة من التخمينات والتقديرات التي أبطلها قوله تعالى: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ).
وشارك الإمام الرازي غيره في بيان المعنى اللغوي لإدراك الأبصار حين قال في تفسير سورة النور: " الإدراك البصري لا يحصل إلا للشيء الذي في الجهات، ثم إنه غير متصرف في كل الجهات بل لا يتناول إلا المقابل أو ما هو في حكم المقابل… "_ تفسير الرازي، ج23/ص198 _.
وقال في تفسير سورة القمر: "… نقول: هذا مما يؤيد قول ابن عباس فإنه نقل عنه أنه قال: المراد من الطمس الحجب عن الإدراك، فما جعل على بصرهم شيء غير أنهم دخلوا ولم يروا هناك شيئاً فكانوا كالمطموسين … "_ المرجع السابق، ج29/ص 54 _.
وقال في تفسير سورة الأعراف: " … قال أصحابنا: إنهم يرون الإنس لأنه تعالى خلق في عيونهم إدراكاً، والإنس لا يرونهم لأنه تعالى لم يخلق هذا الإدراك في عيون الإنس "_ المرجع السابق، ج14/ص45 _.