نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط دار السلام) محمد بن صالح حمدي

نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط دار السلام)

الجزء ١ · صفحة ١٤٥

المبحث الثاني

التكافل الاجتماعي والضمان الاجتماعي

تمهيد:

تعرَّضنا في المبحث السابق إلى وسائل التوزيع، ورجَّحنا المعيار القائم على تقسيم التوزيع إلى أساسين رئيسيَّين، وهما: العمل والحاجة، فالمعيار الأَوَّل ـ وهو العمل ـ يحمل معه واسطة التنفيذ، أي أنَّ كسب الإنسان يتطلَّب جني ثمار مجهوداته دون غيره، إلاَّ أنَّ الأساس الثاني وهو الحاجة يحتاج إلى واسطة التنفيذ، وهو ما سنعرض له في هذا المبحث.

فالتوزيع على أساس الحاجة يكون إمَّا:

أ- بواسطة وليِّ الأمر، ويتمثَّل في جمع الزكاة والواجبات الماليَّة.

ب- بواسطة الأفراد، ويتمثَّل في النفقات الإجباريَّة.

ج- بواسطة الأفراد تطوُّعا، ويتمثَّل في الصدقات الاختياريَّة.

وقبل البحث في هذه الوسائل يجب أن نميِّز بين بعض المفاهيم التي قد تبدو مترادفة وتحمل معنى واحدا، إلاَّ أنَّها تحمل معاني مختلفة.

أ) الضمان الاجتماعي: كفالة الدولة حدَّ الكفاية لكُلِّ فرد يعيش في المجتمع، سواء أكان مسلما أم غير مسلم، وذلك بالنسبة لِكُلِّ من عجز عن تحقيق هذا المستوى لنفسه(1).

ب) التكافل الاجتماعي: أن يتضامن أبناء المجتمع ويتساندوا فيما بينهم ـ سواء أكانوا أفرادا أم جماعات، حكَّاما أم محكومين ـ على اتِّخاذ مواقف إيجابيَّة فيما بينهم كرعاية اليتيم، أو سلبية كتحريم الاحتكار، بدافع من شعور إيمانيٍّ وجدانيٍّ عميق ينبع من أصل العقيدة الإسلاميَّة، حيث يتعاون الجميع وتتضامنوا لإيجاد المجتمع الأفضل(2).

ج) التأمين الاجتماعي: تتولاَّه الدولة والمؤسَّسات الخاصَّة، وهو يتطلَّب مساهمة المستفيد باشتراكات يؤدِّيها، وتمنح له مزايا التأمين، أيَّا كان نوعها متى توافرت فيه شروط استحقاقه بغض النظر عن دخله(3).

وفي صدد بحثنا سنعرض للمفهوم الأَوَّل والثاني، مبعدين المفهوم الثالث المتعلِّق بالتأمين الاجتماعي؛ لأَنَّهُ لا يعبِّر عن التوزيع على أساس الحاجة، بينما يعبِّر المفهومان الأوَّلان عن ذلك.

والتوزيع على أساس الحاجة، قد يسمَّى بالتوزيع التوازني؛ لأَنَّهُ يعيد التوازن، بخلاف التوزيع على أساس العمل ينبني على أساس توزيع الثمرة على من ساهم في تكوين الدخل، أَمَّا التوزيع على أساس الحاجة فينبني على إقامة التوازن بين أفراد المجتمع.

وإعادة التوزيع أو التوزيع التوازنيُّ كما عبَّر عنه البعض، أو تحت اسم التكافل الاجتماعي أو الضمان الاجتماعي، كلُّها تسميات تعبِّر عن قضيَّة واحدة، وهي معيار الحاجة في التوزيع، إلاَّ أنَّ الحاجة لا تنفرد فقط كمعيار وأساس للتوزيع، بل قد تشترك معها معايير أخلاقيَّة ودينيَّة واجتماعيَّة، تعطي للتوزيع بعدا تكافليًّا، مِمَّا يجسِّم الوحدة والتلاحم بين أفراد المجتمع. ومن هذه الأسس التودُّد والقرابة، وهو ما يجسِّده نفقات الأقارب والمواريث والهبات والوصايا(4).

المطلب الأوَّل: الدليل الشرعي لنظام التكافل الاجتماعي:

إنَّ روح التشريع الإسلاميِّ يقوم أساسا على تكوين مجتمع متماسك متعاون

(1) عطية عبد الواحد: دور السياسة الماليَّة، مرجع سابق، ص642.

(2) عبد الله ناصح علوان، التكافل الاجتماعي، مرجع سابق، ص15.

(3) الفنجري، الإسلام والضمان الاجتماعي، مرجع سابق، ص30.

(4) رفيق المصري، أصول الاقتصاد، مرجع سابق، ص226.

١٣٤ / ١٧٤