نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط دار السلام) محمد بن صالح حمدي

نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط دار السلام)

الجزء ١ · صفحة ١٤

المطلب الثالث: الاستخلاف في السنَّة النبويَّة:

لو استعرضنا كتب الحديث، لم نجد حديثا في معنى الاستخلاف العام الذي نحن بصدد البحث فيه، وإنَّما نجد حديثا عن عمر بن الخطَّاب بشأن الاستخلاف في الإمارة(1)، لكن ورد الاستخلاف في السنة بمعنى آخر وهو الأمانة والمسؤوليَّة، وأشهر حديث في هذا المعنى قوله J : « كلُّكم راع وكلُّ راع مسؤول عن رعيَّته يوم القيامة»(2). ثُمَّ ذكر أصنافا من هذه المسؤوليَّة أو الأمانة كالأمير على رعيَّته، والمرأة على بيت زوجها وعلى أبنائها والعبد على شؤون سيِّده.

كما جعل الرسول J من أمارات الساعة وأشراطها ضياع الأمانة التي تحمَّلها الإنسان، فقال: «إذا ضيِّعت الأمانة فانتظر الساعة، قيل: كيف إضاعتها؟ فقال: إذا وسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة»(3).

وإنَّنا إذا استعرضنا معاني الأمانة التي ذكرها العلماء نجدها تطابق معاني الاستخلاف، قال ابن التين: «الأمانة كلُّ ما تخفي ولا يعلمه إلاَّ الله من المكلَّف، وعن ابن عبَّاس: هي الفرائض التي أمروا بها ونهوا عنها، وقيل: هي الطاعة، وقيل: التكليف، وقيل: العهد الذي أخذه الله على عباده، وهذا الاختلاف وقع في تفسير آية الأمانة المذكورة في آية: من سورة الأحزاب، وقال صاحب التحرير: الأمانة المذكورة في الحديث هي الأمانة المذكورة في الآية، وهي عين الإيمان، فإذا استمكنت في القلب قام بأداء ما أمر به واجتنب ما نُهي عنه(4).

وممَّا يؤكِّد ارتباط معاني الأمانة بالاستخلاف، كون ارتفاع الأمانة مؤشِّرا من مؤشِّرات قيام الساعة، فإذا تخلَّى الإنسان عن مسؤوليَّته الاستخلافيَّة، وضيِّعت الأمانات، يعني أَنَّهُ غير مؤهَّل لهذه الأمانة، وبتخلِّيه عن دوره في هذه الحياة تصبح الحياة لا معنى لها ولا هدف، فيقضي الله بفنائها.

أَمَّا عن الاستخلاف الخاصُّ، فإنَّنا نجد حديث الاستخلاف في الإمارة الذي أشرنا إليه، أمَّا الاستخلاف على الأموال فلا نكاد نجد حديثا بهذه الصيغة التي وردت في القرآن في آية: 7 من سورة الحديد، وإنَّما نجدها بصيغ أخرى كما بيَّنَّا سابقا. وأبرز حديث يبيِّن مسؤوليَّة الإنسان على المال هو قوله J : « لا تزول قدما عبد يوم القيامة حَتَّى يُسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وماله من أين أكتسبه وفيم أنفقه، وماذا عمل فيما علم»(5).

فمسؤوليَّته على المال مضاعفة، فيسأل من أين اكتسب المال ثُمَّ يسأل ثانية فيم أنفقه.

المطلب الرابع: الاستخلاف عند المفسِّرين:

بعد استعراض الآيات التي تعرَّضت للاستخلاف، لا بدَّ من بيان معنى الاستخلاف في القرآن الكريم من خلال أقوال المفسِّرين.

إنَّ أبرز آية بيَّنت معنى الاستخلاف هي آية البقرة(6). في صيغة حوار بين الخالق تبارك وتعالى وملائكته حين أطلعهم على إرادته في جعل خليفة على الأرض.

فقد اختلف المفسِّرون في ماهية هذه الخلافة، فمنهم(7) من يرى أنَّ

(1) مسلم، أبو الحسين مسلم بن الحجاج: الجامع الصحيح (القاهرة: مؤسَّسة دار التحرير، 1383هـ، مج2، ج6، ص 540. أبو داود، سليمان بن الأشعث: سنن أبي داود. (القاهرة: مطبعة مصطفى البابي الحلبي، 1371هـ/1952م، مج2، ص120.

(2) أخرجه البخاري، كتاب الجمعة، مرجع سابق، ج2 ص380، رقم893.

(3) أخرجه البخاري، كتاب العلم، ج1 ص142، رقم 59.

(4) العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر: فتح الباري شرح صحيح البخاري. دار الفكر- بيروت، كتاب الفتن، مج13، ص40.

(5) الترمذيُّ، سنن الترمذي، (بيروت: دار عمران، د. ت. ط)، كتاب صفة القيامة، رقم 2416 (دار عمران، بيروت، د. ت. ط)، ص612.

(6) ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فيِ الاَرْضِ خَلِيفَةً … ﴾ الآية: 30 من سورة البقرة.

(7) انظر: الزمخشري، محمود بن عمر: الكشَّاف عن حقائق وغوامض التنزيل (بيروت: دار الكتاب العربي، ط3،1407هـ/1987م،) ص124.

١٤ / ١٧٤