نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط دار السلام)
الجزء ١ · صفحة ١٥الآدميِّين خلفوا جنسا آخر كان يسكن الأرض سابقا، فأفسد فيها وسفك الدماء، ومن ثَمَّ تكون الخلافة على هذا الرأي خلافة جنس سابق. بينما يرى فريق(1) آخر أنَّ آدم عليه السلام هو المعنيُّ بالخلافة، منهم ابن عبَّاس وجميع أهل التأويل. فهو خليفة الله في إمضاء حكمه وأوامره؛ لأَنَّهُ أوَّل رسول إلى الأرض. فيما يذهب رأى ثالث(2) إلى أنَّ المقصود بالخليفة بني آدم قاطبة، فهم يخلفون بعضهم بعضا جيلا بعد جيل، وقرنا بعد قرن، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الذِي جَعَلَكُمْ خَلآَئِفَ الاَرْضِ﴾ [الأنعام:165]، ﴿فَخَلَفَ مِنم بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [الأعراف:169]، ولم يقصد به آدم بعينه. وإذ لو كان ذلك لما حسن قول الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُّفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾ [البقرة:30]، فإنَّهم أرادوا أنَّ من هذا الجنس من يفعل ذلك، وَكَأَنَّهُم علموا ذلك بعلم خاصٍّ، أو بما فهموه من الطبيعة البشريَّة.
وإلى هذا الرأي الأخير يميل كلٌّ من الشيخين رشيد رضا وبيُّوض إبراهيم، وهما من المفسِّرين المعاصرين، فيقول الأَوَّل بعد استعراضه لآراء المفسِّرين في المقصود من الخلافة، أهي خلافة جنس آخر أم خلافه عن الله: «فيصحُّ أن يكون معنى الخلافة عامًّا في كلِّ ما ميَّز الله به الإنسان على سائر المخلوقات، فالإنسان خلق ضعيفا كما قال في كتابه: ﴿وَخُلِقَ الاِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء:28]، وخلقه الله جاهلا: ¨ ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنم بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل:78]. لكن على ضعفه وجهله عبرة لمن يعتبر؛ لأَنَّهُ مع ضعفه يتصرَّف في الأقوياء، ومع جهله في نشأته يعلم جميع الأشياء».
(1) انظر: القرطبي، أبو عبد الله محَمَّد بن أحمد: الجامع لأحكام القرآن (بيروت: دار الكتب العلميَّة بيروت، د. ط، 1413هـ/1993م)، مج1، ص182.
(2) انظر: ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل: تفسير ابن كثير (بيروت: دار الأندلس، ط8، 1406هـ/1986م) مج1، ص120.