نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط دار السلام) محمد بن صالح حمدي

نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط دار السلام)

الجزء ١ · صفحة ١٥٨

للترف والبذخ، فعلى المرء أن يراعي محيطه الذي قد لا تتسنَّى له ظروف الحياة لاستيفاء الضروريَّات من مطالب الحياة.

الفرع الثاني: من حيث وجوبها وندبها:

ينقسم الإنفاق في الإسلام إلى قسمين رئيسين:

1) إنفاق الفريضة.

2) إنفاق التطوُّع.

- القسم الأوَّل: إنفاق الفريضة: هو ما افترضه الله على المسلم وألزمه بأدائه في السبل التي أرشده إليها، وفي الحالات التي يجب فيها هذا الإنفاق، ويدخل أوَّل ما يدخل في هذا القسم ما ينفقه الإنسان على نفسه وعلى عياله، من أبناء وزوجة ووالدين، تطبيقا لمبدأ «ابدأ بمن تعول»(1)، ويحدِّد حديث آخر مراتب ودرجات النفقة: «ابدأ بنفسك فتصدَّق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء، فهكذا وهكذا، يقول: فبين يديك وعن يمينك وعن شمالك»(2).

فهذا المبدأ الذي وضعه الرسول، يضع الإنفاق في دوائر تتَّسع، حسب طاقة الفرد وإمكانيَّاته، والإنفاق على الأهل من أفضل الصدقات، لقوله J : « أفضل دينار المرء دينار ينفقه على أهله»(3).

وقد فصَّل الفقهاء في أسباب وشروط ودرجات القرابة الموجبة للنفقة.

فأسبابها: النكاح والقرابة، فالأوَّل يوجبها للزوجة على الزوج. والثاني لكُلٍّ من القريبين على الآخر(4)، وهناك من أضاف سببا ثالثا هو الملك: مثل الإنفاق على العبد المملوك أو الحيوان المملوك، أو الأشياء المملوكة لصيانتها وحفظها(5). أَمَّا درجات القرابة، فقد اختلف الفقهاء في تحديدها، والواقع أنَّ المذهب الحنبلي أكثر المذاهب الإسلاميَّة توسُّعا في القرابة الموجبة للنفقة، فهو يعمُّ القرابة كلَّها بلا استثناء، فكلُّ من يرث الفقير العاجز عن الكسب إذا مات غنيًّا تجب عليه نفقته في حال عجزه، لأنَّ الحقوق متبادلة، والغرم بالغنم(6)، وهو رأي يتماشى مع روح التشريع الإسلاميِّ، ويحقِّق صورة أوضح للتكافل والتضامن الاجتماعيِّ.

أَمَّا شروط النفقة على الترتيب فهي:

1) حاجة القريب الذي يطالب بالنفقة، فإذا لم يكن محتاجا لا يستحقُّ النفقة.

2) عجزه عن العمل، لأنَّ إعطاء المحتاج مع قدرته على العمل تعطيل لقوَّة من قوى الإنتاج، وتشجيع على الكسل والاتِّكال.

3) ألاَّ يكون القريب الذي يطالب بالنفقة موسرا.

وهذه الشروط خاصَّة بالقرابة من الدرجة الثانية فما فوق، أَمَّا نفقة الوالد على أولاده أو الولد على والديه العاجزين أو على زوجته، فهي واجبة في كلِّ الظروف والحالات أن يقاسمهم ما يملك من قوت، فيأكلون مِمَّا يأكل.

- القسم الثاني: إنفاق التطوُّع: إنَّ إنفاق التطوُّع ليس له حدود، وإنَّما هو متروك لأريحيَّة المنفق ورغبته في ابتغاء رضوان الله، وقد حثَّت آيات كثيرة وأحاديث نبويَّة عليه، ووعدت المنفقين بأجزل الثواب وأعظم الأجر(7)، هذا

(1) أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، ج3، ص294، رقم: 1426.

(2) أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، ج3، ص79.

(3) محَمَّد بن الحسن الشيباني: الاكتساب في الرزق المستطاب، مرجع سابق، ص66.

(4) الدبو: الضمان الاجتماعي، مرجع سابق، ص227.

(5) رفيق المصري: أصول الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص227.

(6) ابن حزم: المحلَّى، مرجع سابق، ج7، ص226.

(7) من ذلك:

- قوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل:20].

- قوله عليه الصلاة والسلام: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلاَّ ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهمَّ أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهمَّ أعط ممسكا تلفا». رواه البخاري.

١٤٦ / ١٧٤