نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط دار السلام) محمد بن صالح حمدي

نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط دار السلام)

الجزء ١ · صفحة ١٧٤

لمن يحييها(1).

مضارُّ الاكتناز:

إنَّ الاكتناز يقلِّل من الرزق وفرص الكسب، فبقاء الأموال مسحوبة من التداول تشكِّل خطرا على الاقتصاد، فعدم تداول النقود يُوقف عجلة التنمية، وهو ما ينتج عنه انخفاض مستوى المعيشة، وانتشار البطالة، وضعف القدرة الشرائيَّة تؤثِّر في تقليل الإنتاج، وبالقضاء على الاكتناز تتدفَّق الأموال على جميع مجالات الإنتاج(2)، فحبسه تعطيل لوظيفته في توسيع ميادين التنمية.

ويعتبر كتاب طاهر بن الحسين(3) إلى ابنه عبد الله أحسن بيان في مضارِّ الاكتناز: «واعلم أنَّ الأموال إذا كنزت وادُّخرت في الخزائن لا تنمو، وإذا كانت في صلاح الرعيَّة وإعطاء حقوقهم، وكفِّ الأذية عنهم نمت وزكت وصلحت به العامَّة، وبرحت به الولاية، وطاب به الزمان، واعتقد فيه العزُّ والمنفعة، فليكن كنز خزانتك تفريق الأموال في عمارة الإسلام وأهله»(4).

كما صوَّر الإمام الغزاليُّ النقدين حاكما بين المسلمين، نظرا للوظيفة التي تقوم بها النقود في المبادلات، وإنَّ اكتنازهما كمن حبس الحاكم عن القيام بمهامِّه المنوطة به، يقول: «فكلُّ من عمل فيهما ـ النقدين ـ عملا لا يليق بالحكم بل يخالف الغرض المقصود بالحكم، فقد كفر نعمة الله فيهما … فإنَّ من كنزهما فقد ظلمهما، وكان كمن حبس حاكم المسلمين في سجن يمتنع عليه الحكم بسببه، لأَنَّهُ إذا كنز فقد ضيَّع الحكم، ولا يحصل الغرض المقصود به»(5).

ويستطرد في بيان وظيفة النقود: «وما خلقت الدراهم والدنانير لزيد أو عمرو خاصَّة، إذ لا غرض للآحاد في أعيانهما، فإنَّهما حجران، وإنَّما خلقا لتتداولهما الأيدي، فيكونا حاكمين بين الناس، وعلامة معرفة المقادير، ومقوِّمة للمراتب»(6).

فهل يبقى لنا الآن القول بأنَّ تكديس الأموال ـ وإن أدِّيت زكاته ـ ليس بالكنز الذي وعد الله أصحابه بأشدِّ أنواع العذاب؟.

وخلاصة القول: إنَّ الاكتناز يشمل منع الزكاة وحبس المال، فمنع الزكاة منع للإنفاق في سبيل الله، وحبس المال تجميد وإخلال بوظائفه التي خلق من أجلها، وهي التداول والدوران.

المطلب الثالث: الاكتناز في الاقتصاد الوضعي:

يرى الاقتصاد الوضعيُّ أنَّ الاكتناز هو الادِّخار العقيم، لأَنَّهُ سحب النقود من التداول، فهو يحرم الاقتصاد جزءًا من الكتلة النقديَّة، فيؤثِّر سلبا على سوق المبادلات.

ويرتفع مستوى الاكتناز عند انخفاض أسعار الفائدة، إذ تغدو غير مشجِّعة على الاستثمار، أو في حالة عدم الاستقرار السياسيِّ والاجتماعيِّ، فيفضِّل الأفراد اكتناز النقود إحجاما عن المخاطرة بها في ظلِّ تلك الظروف.

وقد حاول بعض الاقتصاديِّين معالجة ظاهرة الاكتناز باقتراح تحديد مدَّة صلاحيَّة النقود، ومن ثَمَّ فقد قيمتها بعد مضيِّ مدة معيَّنة من الزمن فتبطل صلاحيَّتها للادِّخار والكنز، وتسمَّى هذه العملة المقترحة بالعملة الدائبة(7).

(1) انظر المبحث الثالث من الفصل الرابع من الرسالة، ص241.

(2) الخالدي، سوسيولوجيا الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص62.

(3) طاهر بن الحسين: مشهور بكتابه الذي أرسله إلى ابنه عبد الله لَمَّا ولاَّه المأمون على مصر.

(4) ابن خلدون: المقدِّمة، مرجع سابق، ص546.

(5) الإمام أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين، كتاب الشكر، ج4، ص91 - 92.

(6) المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

(7) القرضاوي: مجلَّة الاقتصاد الإسلامي، سنة87، ع. 68،، 6/ 297.

١٦٠ / ١٧٤