نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط دار السلام)
الجزء ١ · صفحة ٤٦الانضباط في حدود الانتفاع:
ذكرنا أنَّ الاستخلاف وتسخير الكون للإنسان لا يعني الحرِّيَّة المطلقة للإنسان، رغم أنَّ الطبيعة بكاملها مسخَّرة له، فالكائنات كلُّها يمكن أن تُستغلَّ لفائدة النوع البشريِّ، على شرط ألاَّ يقع إتلافها دون مبرِّر، فالأرض والبحار والجبال، ودوابُّ الأرض تحتوي جميعا على منافع متجدِّدة، ويمكن تصنيف منافعها من القوت الضروريِّ للحياة إلى الرفه والزينة، دون حدٍّ في هذا التنويع إلاَّ الحظر بإتلاف الكائنات دون نفع ظاهر للإنسان(1).
فقد ورد في الحديث الشريف أنَّ طائرا عجَّ إلى ربِّه مشتكيا من الإنسان الذي ذبحه من غير منفعة(2)، فهذا الطائر ألهمه الله أنَّ حياته مسخَّرة لخدمة الإنسان، لكن في حدود الانتفاع لا في الإتلاف والضرر.
فالضابط العامُّ لحدود الاستخلاف فيما سخَّر الله للبشر من موارد الطبيعة وخيرات الأرض هو الانتفاع بها، فهي الأداة المساعدة لحياة الإنسان، ومرفق من مرافقها يجب الانتفاع بها في حدود النفع، بعيدا عن الإتلاف والضرر.
ويمكن تصنيف ضوابط الاستخلاف على صعيدين:
أ) على الصعيد العامِّ، وهي الضوابط التي تقيِّد الإنسان بصفته خليفة الله في أرضه.
ب) على الصعيد الخاصِّ، بصفته مالكا للمال، وسوف نركِّز على هذا النوع لأنَّه محلُّ البحث.
(1) مزيان، عبد المجيد: النظريَّات الاقتصاديَّة عند ابن خلدون، مرجع سابق، ص211.
(2) نصُّ الحديث: «من قتل عصفورا عبثا عجَّ إلى الله يوم القيامة، يقول: يا ربِّ إنَّ فلانا قتلني عبثا ولم يقتلني منفعة». انظر: منتخب كنز العمَّال في سنن الأقوال والأفعال، بهامش مسند الإمام أحمد. دار صادر- بيروت، بدون تاريخ، مج2، ص208.