نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط دار السلام)
الجزء ١ · صفحة ٤٩2) وجوب اجتناب الحرام الخبيث:
اجتناب كلِّ حرام خبيث سواء في ذاته أو في وسيلته مع تضييق دائرته عكس الحلال، ومدار التحريم فيه هو وصف «الخبث» وما يؤدِّي ذلك إلى ضرر شخصيٍّ أو اجتماعيٍّ مادِّيٍّ أو معنويٍّ، ويمكن تصنيفه على النحو الآتي:
أ) تحريم كلِّ خبيث العين: كالخمر والخنزير والميتة، فهي خارجة من دائرة الحلال، فيحرم استهلاكها أو التعامل بها وتبادلها.
ب) تحريم كلِّ وسيلة خبيثة للكسب: كالاتِّجار في الأعراض، وكذا كلُّ وسيلة من وسائل الغشِّ كالتدليس، واليمين الباطلة، والغرر.
ج) تحريم الكسب الذي لا يقابله جهد وعمل مشروع: كالقمار والمراهنة والغصب والسرقة، ويدخل في هذا الصنف «الربا»؛ لأَنَّهُ في الحقيقة استيلاء على المال بلا جهد حقيقيٍّ، أو مخاطرة يبذلها المرابي، بل هو استنزاف وامتصاص لجهود الآخرين(1).
3) أداء الحقوق الماليَّة:
شكرا لنعم المنعم، الذي هو السبب في كلِّ ما يملك الإنسان من أموال فهو خالقها وموجدها، وواضع خصائصها، والإنسان لا يملك أن يضيف ولو ذرَّة من مادَّة هذه الأرض وكلُّ ما يملك هو التركيب والتحليل والتطوير، واكتشاف خصائص الموادِّ للاستفادة منها، ألاَ يستحقُّ موجد ومنشئ وخالق هذه الموادِّ شكر نعمه وآلائه على خلقه؟ فهو لا يرجو من خلقه أن يطعموه أو يسقوه: ﴿مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ يُّطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:58](2)، وإنَّما يريد منهم أن يعبدوه. ومن أنواع عبادته أن يؤدُّوا الحقوق التي فرضها في أموالهم التي رزقهم إيَّاها.
وتكافلا مع أبناء المجتمع الواحد، وتضامنا مع الفئات المحرومة التي لم تستطع توفير كفايتها من المعاش، وضمان حدٍّ أدنى من مستوى المعيشة لسبب أو لآخر. لأجل هذا وذاك أوجب الله بعض الحقوق الماليَّة، يخرجها الإنسان مِمَّا ملَّكه الله واستخلفه عليه: ﴿وَالذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:25](3)، ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد:7](4)، وهذه الحقوق نوعان:
أ) حقٌّ مفروض على سبيل الثبات والتحديد، وهو الزكاة التي أوجبها الله، وجعلها ركنا من أركان الإسلام التي لا يتمُّ إسلام المرء إلاَّ بأدائها، فقد حدَّدت السنَّة النبويَّة مقاديرها وأصنافها، ومن تجب عليه ومن يأخذها.
ب) حقٌّ واجب تبعا للحاجة العامَّة والخاصَّة، ودائرته أوسع من دائرة الزكاة، فيؤخذ بشروطها الشرعيَّة لسدِّ حاجات الأمَّة المسلمة، ومن هذه الحقوق:
1) النفقة على الأقارب.
2) التوظيف من أموال الأغنياء.
وأحكامهما ومداها وشروطها مفصَّلة في كتب الفقه. ودليل وجوبها من القرآن قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرُّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنِ الْبِرُّ مَنَ ـ امَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَالْمَلآَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيئِينَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ … ﴾ [البقرة:177](5)، فالآية ميَّزت بين الزكاة كفرض من فرائض
(1) عبد الستَّار فتح الله سعيد: المعاملات في الإسلام، مرجع سابق، ص124.
(2) سورة الذاريات، آية 57 - 58.
(3) سورة المعارج، آية 24 - 25.
(4) سورة الحديد، آية 7.
(5) سورة البقرة، آية 177.