نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط دار السلام)
الجزء ١ · صفحة ٥٦يقول الله تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الاَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود:61](1)، فقد أنشأ الله بني آدم من هذه الأرض وأمرهم بعمارتها. والعمارة هي كلُّ ما يقوم عليه العمران، من إحياء الأراضي بما تجعلها صالحة للإنتاج، أو البحث والتنقيب عن كنوز الأرض ومواردها من مياه ومعادن، أو إقامة المشاريع الصناعيَّة عليها …
وكلُّ استغلال للطاقات الطبيعيَّة يدخل في مفهوم العمارة، فالآية الكريمة وإن وردت على لسان نبيء من أنبياء الله يدعو قومه ويذكِّرهم بنعم الله عليهم، ويأمرهم بعمارتها، إلاَّ انه لا ينفي عمومها، لأنَّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والطلب فيها بمعنى الأمر، فالله أنشأنا من الأرض وأمرنا بعمارتها بما يحقِّق وظيفة الاستخلاف.
إنَّ تسخير الأرض والكون للإنسان واستخلاف الله لما في الأرض يقتضيان انتفاع الإنسان بما خلق في الكون واستثماره لما في الأرض من خيرات وثمرات(2).
ثُمَّ إنَّ ربط العمارة بنظريَّة الاستخلاف يؤدِّي إلى تحقيق الرخاء الاقتصاديِّ لمجموع أفراد المجتمع.
وفي سبيل تحقيق الغاية من الاستخلاف، لا بدَّ أن يضع الإنسان في اعتباره القيام بعمليَّة تنظيم وتخطيط كامل لموارد الإنتاج المتاحة، واستغلال كلِّ الطاقات البشريَّة والمادِّيَّة، وتسخير كلِّ القوى الموجودة لديه في عمليَّة الإنتاج، فإذا اعتقد أَنَّهُ مأجور دنيا وأخرى على قيامه بعمليَّة العمارة كان حافزا قويًّا على المضيِّ في نشاطه وحيويَّته.
وسنعود إلى هذا الموضوع عند تطرُّقنا للاستخلاف والعمارة في الفصل الرابع بحول الله.
المطلب الثالث: نظريَّة الاستخلاف، وترشيد الإنفاق، وعدالة التوزيع:
إذا كانت نظريَّة الاستخلاف تدعونا إلى الإنتاج وعمارة الأرض، فإنَّ عملية الإنتاج تعقبها عمليَّة الإنفاق والاستهلاك وتوزيع الخيرات المنتجة على عوامل الإنتاج التي لا تقلُّ أهمية على الإنتاج نفسه، فالإنتاج مع سوء توزيع الإنفاق هو من عيوب الأنظمة الوضعيَّة، التي أخفقت في إقامة عدالة للتوزيع وترشيد الإنفاق والاستهلاك.
بينما الاقتصاد الإسلاميُّ يعتني عناية خاصَّة بالتوزيع حَتَّى إنَّ هناك من اعتبر أنَّ الاقتصاد الإسلاميَّ ينحصر هدفه في حسن توزيع موارد الأمَّة توزيعا عادلا(3).
فما دور نظريَّة الاستخلاف في هذا المجال؟
كنَّا ربطنا الاستخلاف بالعقيدة الإسلاميَّة، وبيَّنَّا أنَّ الاستخلاف مضبوط بضوابط محدودة، فالإنتاج مضبوط، وكذا الإنفاق والاستهلاك محكومان في ظلِّ هذه النظريَّة بما فيه منفعة الفرد والجماعة، فلا يوضع مال إلاَّ في موضعه، وفي يد مستحقِّه، فلا تستهلك سلعة أو تؤدَّى خدمة(4) من الخدمات إلاَّ في مكانها المناسب.
فالآية الكريمة تقول: ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ … ﴾ [الحديد:7](5)، فالإنفاق يشمل الإنفاق على النفس، ثُمَّ على الأهل، ثُمَّ
(1) سورة هود، آية 61.
(2) محمَّد المبارك: نظام الإسلام - الاقتصاد، مرجع سابق، ص21.
(3) انظر التمهيد من هذه الرسالة، ص 19.
(4) الخدمة في مفهومها الاقتصاديِّ: هي السلعة غير المادِّيَّة، وهي عمل إنسانيٌّ غير منتج لَكِنَّهُ ذو منفعة، لأَنَّهُ مرتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بحاجات الإنسان، مثل النشاط الإداري والصحِّي والثقافي.
(5) سورة الحديد، آية 7.