نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط دار السلام) محمد بن صالح حمدي

نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط دار السلام)

الجزء ١ · صفحة ٥٩

ج) ليس هناك تكييف مفهوم للعلاقة بين ملكيَّة الله وملكيَّة الإنسان، هل هي شركة أم نيابة؟ وهل هي وديعة؟

د) هي نظريَّة خطيرة تفتح بابا واسعا للمغالاة، وقد يستغلُّها الشيوعيُّون كتعليل لمصادرة الأموال الفرديَّة، والاستيلاء عليها بدون ضابط.

بهذه الحجج مجتمعة ينسف الدكتور كمال وصفي نظريَّة الاستخلاف من أساسها، ويقطع الروابط المتينة بين ملكيَّة الله وملكيَّة الإنسان. ويضيف في بحث آخر قدَّمه إلى مجمع البحوث، مؤكِّدا رأيه بقوله: «إنَّ القول بالاستخلاف يؤدِّي إلى إزعاج الأحكام الشرعيَّة، وإلى أن تكون أحكاما قلقة، ويفتح بابا خطيرا واسعا للمغالاة»(1).

مناقشة هذا الرأي:

ساق الدكتور وصفي أربعة حجج لنفي نظريَّة الاستخلاف وإنكارها تماما، ورأى أنَّ القول بها يؤدِّي إلى إزعاج الأحكام الشرعيَّة حسب تعبيره.

وسنناقش الأَدلَّة التي أوردها الدكتور، والتي اتَّخذها أساسا لنسف هذه النظريَّة.

1) ينكر العلاقة بين ملكيَّه الله وملكيَّة الإنسان، ويرى أنَّ الأولى ربَّانية تعبُّديَّة، ولا علاقة بها بالمعاملات الإنسانيَّة على الأرض، وليس لها أثر ماليٌّ، فكيف سمح لنفسه هذا القول والقرآن يصرِّح بنصِّ العبارة: ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾، فالآية تَدُلُّ بأنَّ الأموال التي بين يدي البشر هي لله، وهم مستخلفون عليها، فهو بأمرهم بالإنفاق منها، أليست هناك علاقة وطيدة بين ملكيَّة الله الأصليَّة وملكيَّة الأفراد عن طريق الاستخلاف، وذات أثر مالي واضح، يتجلَّى في أمر المستخلف في كيفية التصرُّف في تلك الأموال.

وقد بيَّنَّا في مبحث سابق(2) العلاقة بين الملكيَّتين، وكيف عبَّر عنها في بعض الآيات بالملكيَّة الإلهيَّة، وفي أخرى بالملكيَّة الإنسانيَّة، فملكيَّة الأفراد تدخل في دائرة ملكيَّة الله تعالى للكون، فلا تنافر بين المعنيين، فالمال مال الله والبشر مستخلفون عليه، والعلاقة بين الملكيَّتين علاقة الأصل بالنيابة.

ويضيف الدكتور أنَّ نظريَّة الاستخلاف لا يتأسَّس عليها أيُّ حكم من أحكام المعاملات.

نعم إنَّ نظريَّة الاستخلاف لا يتأسَّس عليها أيُّ حكم من أحكام المعاملات بصفة مباشرة، لَكِنَّهَا ترتبط بما هو أهمُّ من ذلك، فهي ترتبط بعقيدة المسلم وإيمانه، فمتى استقرَّ في قلبه أنَّ الأموال التي بين يديه هي لله، وَأَنَّهُ مستخلف عليها، فَإِنَّهُ يتقيَّد بتعاليم صاحبها في التصرُّف فيها، تمليكا وإنتاجا وإنفاقا واستهلاكا، أليس في هذا انعكاس للنظريَّة على أحكام المعاملات ولو بصفة غير مباشرة؟.

2) يدَّعي الدكتور أنَّه لم يرد بيان لهذه النظريَّة لا في القرآن ولا في السنَّة ولا في أقوال الفقهاء، نستغرب أن يورد الكاتب هذه الحجَّة مع أن القرآن مليء بالآيات التي تبيِّن أنَّ علاقة الإنسان بالمال علاقة استخلافية(3). وإذا كانت كتب الحديث لم ترو حديثا عن الرسول J عن الاستخلاف بهذا اللفظ وبهذا المعنى، إلاَّ أنَّ هناك أحاديث كثيرة تحمل المعنى ذاته(4). أمَّا الفقهاء فقد تعرَّض الأقدمون منهم والمتأخِّرون إلى هذا الموضوع، فهذا الإمام الزمخشريُّ يقول في معرض تفسيره لآية الاستخلاف على الأموال: إنَّما هي أموال الله بخلقه وإنشائه لها، ووهبها الله لهم، وخوَّل لهم الاستمتاع، وجعلهم خلفاء في التصرُّف فيها،

(1) د/ مصطفى كمال وصفي: الوظيفة الاجتماعيَّة للحقوق في الإسلام. بحث مقدَّم إلى مجمع البحوث الإسلاميَّة بالقاهرة، ص204. نقلا عن: بسيوني سعيد أبو الفتوح محَمَّد: الحرِّيَّة الاقتصاديَّة وأثرها في التنمية (القاهرة: دار الوفاء، ط1، 1408هـ/1988م)، ص59 - 61.

(2) انظر المبحث الثاني من التمهيد، ص 26.

(3) انظر: الفصل الأوَّل، المبحث الأَوَّل، المطلب الثاني، ص 31.

(4) انظر الفصل الأَوَّل، المبحث الأوَّل، المطلب الثالث، ص 49.

٥٥ / ١٧٤