نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط دار السلام)
الجزء ١ · صفحة ٧٣كما يستدلُّ على وجوب الخلافة على الأمَّة من ناحية العقل، فإنَّ ترك الناس فوضى يأكل القويُّ منهم الضعيف، وسيادة قانون الغاب، ضرر واجب الإزالة، وما لا يتمُّ الواجب إلاَّ به فهو واجب، لذا اهتمَّ الصحابة بإقامة الخلافة، وجعلوها من أولى الأولويَّات(1).
المطلب الثالث: نظرة الخلفاء الراشدين إلى الاستخلاف على الأموال:
لقد وعى الخلفاء الراشدون هذه المسؤوليَّة، وتحمَّلوا هذه الأمانة، وأدَّوها حقَّ الأداء، فهذا الخليفة أبو بكر الصدِّيق يتَّخذ إجراءً صارما في صدر خلافته بقتال مانعي الزكاة، لأَنَّهُم أبطلوا حقًّا من الحقوق الماليَّة، وألغوا موردا هامًّا من موارد بيت المال، فقاتلهم عليها، وقال قولته المشهورة: «والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدُّونها إلى رسول الله لقاتلتهم على منعها»(2). وقد كان حريصا على توزيع ما يرد إليه من أموال الفتوحات بالسويَّة بين المسلمين ولا يستبقي منها شيئا، فَلَمَّا مات لم يجدوا عنده من مال الدولة إلاَّ دينارا سقط من غرارة(3).
وهذا الخليفة الثاني عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه يقول: «والله الذي لا إله إلاَّ هو ـ ثلاثا ـ ما من الناس أحد إلاَّ له في هذا المال حقٌّ أُعطِيَهُ أو مُنعَه»(4). فقد تعهَّد بأن يؤدِّي لِكُلِّ ذي حقٍّ حقَّه من أموال الأمَّة. وقد لاحظ أحد الصحابة بأنَّ عمر يقتِّر على نفسه وعلى عياله في النفقة فقال له: لو وسَّعت على نفسك في النفقة من مال الله. فأجابه عمر رضي الله عنه: أتدري ما
(1) مدكور سالم، الدولة الإسلامية، مرجع سابق، ص236.
(2) الكفراوي، عطوف محمود، سياسة الإنفاق العامِّ في الإسلام. (الإسكندرية، مؤسَّسة شباب الجامعة، 1409هـ/1989م)، ص45.
(3) المرجع نفسه، ص47.
(4) الواقدي، محَمَّد بن سعد: الطبقات، تصحيح إدوارد سخاو (طهران: منشورات مؤسَّسة النصر- طهران، سنة 1321هـ، مج3، ص215.