نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط دار السلام)
الجزء ١ · صفحة ٧٤مثلي ومثل هؤلاء كمثل قوم كانوا في سفر فجمعوا ما عندهم من مال وسلَّموه إلى أحد منهم ينفقه عليهم، فهل الرجل يستأثر عنهم مالهم؟»(1)، فقد بيَّن له بالمثال الواضح عن روح المسؤوليَّة التي تحلَّى بها ولاة الأمور في صدر الإسلام، وكيف أَنَّهُم أدركوا مسؤوليَّتهم العظيمة تجاه الرعيَّة، فهو المستخلف أو الوكيل عن أموال الأمَّة، وليس له منها إلاَّ ما يكفي حاجته وحاجة أسرته.
ويبيِّن قول آخر للخليفة عمر وظيفة وليِّ الأمر في مهمَّته تجاه أموال الأمَّة في عبارة مختصرة في مبناها، لَكِنَّهَا عظيمة في معناها، تحمل كلَّ ما تتضمَّنه هذه المسؤوليَّة من وظائف بقوله: «إنَّ الله جعلني خازنا وقاسما»(2)، فهو الخازن الأمين لأموال الأمَّة، يجمعها من مصادرها الشرعيَّة، ويعمل على المحافظة عليها وصيانتها، ثُمَّ يوزِّعها على مستحقِّيها بعدل ومساواة.
وهذا الخليفة الثالث عثمان بن عفَّان رضي الله عنه يكتب إلى عمَّال الخراج في الأمصار يحسِّسهم بهذه المسؤوليَّة: «أَمَّا بعد فإنَّ الله خلق الخلق بالحقِّ فلا يقبل إلاَّ الحقَّ، خذوا الحقَّ وأعطوا الحقَّ به، والأمانةَ الأمانة، قوموا عليها ولا تكونوا أولى من يسلبها، والوفاء الوفاء، لا تظلموا اليتيم ولا المعاهد، فإنَّ الله خصم لمن ظلمهم»(3). فقد أوصاهم بثلاثة أمور هي أساس المعاملات الماليَّة:
أ) الأخذ والعطاء بالحقِّ.
ب) القيام بالأمانة أحسن قيام.
ج) الوفاء بالحقوق وعدم الظلم.
كما كان الخليفة الرابع عليُّ بن أبي طالب كرَّم الله وجهه شديد المحاسبة في الشؤون الماليَّة، لنفسه ولعمَّاله، كما كان حريصا على توزيع الأموال ولا يتركها حبيسة بيت المال، كما كان زاهدا ورعا، فقد أشرف يوما على بيت المال وهي ملأى بالنقود والجواهر فقال: «يا بيضاء ويا حمراء ابيضِّي واحمرِّي وغرِّي غيري»، ثُمَّ أمر فقسم جميع ما فيها من أموال(4). ومن وصاياه إلى أحد عماله: «فدع الإسراف مقتصدا، واذكر في اليوم غدا، وأمسك من المال بقدر ضرورتك، وقدِّم الفضل ليوم حاجتك»(5).
المطلب الرابع: المسؤوليَّة الاستخلافيَّة لوليِّ الأمر:
إنَّ القاعدة الإسلاميَّة التي يعمل بها أولو الأمر في الإسلام نجدها ملخَّصة في القرآن: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمُ، أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلىَ الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آلعمران:104]، فقد وضعت للهيئة الحاكمة أسلوب العمل يتضمَّن ثلاثة أسس بها يضمن الإسلام إقامة العدل، وإحقاق الحقِّ، وإزالة الباطل، وهي(6):
1 - الدعوة إلى الخير. … 2 - الأمر بالمعروف. 3 - النهي عن المنكر.
هكذا وردت مرتَّبة حسب أهمِّيَّتها، ولا يمكن أن تخرج سلطة وليِّ عن هذه الأسس الثلاثة:
أوَّلاً: الدعوة إلى الخير:
وليس هو ذلك المعنى الدارج والمتعارف عليه بِأَنَّهُ الموعظة الحسنة والقول الحسن فقط، وإنَّما الخير خير القرآن، وهو العمل الإيجابيُّ في كلِّ مجالات العمل
(1) ابن تيميَّة، تقيُّ الدين أحمد: السياسة الشرعيَّة في إصلاح الراعي والرعيَّة، مرجع سابق، ص35.
(2) دنيا، شوقي: الإسلام والتنمية، مرجع سابق، ص196.
(3) قطب، إبراهيم محَمَّد: السياسة الماليَّة لعثمان بن عفَّان (القاهرة: الهيئة المصريَّة العامَّة للكتاب، د. ت. ط، 1986) ص59.
(4) الكفراوي، عوف: سياسة الإنفاق العام في الإسلام، مرجع سابق، ص79.
(5) الإمام عليُّ بن أبي طالب، نهج البلاغة، جمع الشريف الرضي، وشرح الإمام الشيخ محَمَّد عبده، (بيروت: دار الجيل، د. ت، ط) ج2، ص19.
(6) صابر طعيمة: الإسلام والتقدُّم الاجتماعي، (بيروت: المكتبة العصرية، ط2، 1973م)، ص116. المبارك، محمَّد: نظام الإسلام: الاقتصاد، مرجع سابق، ص107.