نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط دار السلام) محمد بن صالح حمدي

نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط دار السلام)

الجزء ١ · صفحة ٧٧

هكذا يتميَّز الاقتصاد الإسلاميُّ في ظلِّ التوجيه القرآنيِّ إلى الخير بالتدخُّل الاقتصاديِّ للدولة ولا يترك تنظيمه لقوى السوق كما فعلت الرأسماليَّة، إلاَّ أَنَّهُ حدَّد مجالات التدخُّل وجعل لها معيارا محدَّدا وهو تحقيق المصلحة، فكُلَّمَا اقتضت المصلحة العامَّة مدَّت يدها بالتنظيم والمراقبة، وإلاَّ تركت المبادرة الفرديَّة تؤدِّي دورها تحت إشرافها ورعايتها.

ثانيا: الأمر بالمعروف:

بعد الدعوة إلى الخير العامِّ وتوفير سبل الحياة في كنف المجتمع المتوازن، فوليُّ الأمر مطلوب منه الأمر بالمعروف، وهو القاعدة الكلِّيَّة العامَّة التي فرضها الإسلام بإقامة التكاليف وأداء الحقوق، وصيانة المجتمع في مجال المعاملات والأخلاق والآداب العامَّة، والمعروف مفهوم شامل، فهو اسم لكُلِّ فعل يُعرف بالعقل أو الشرع حُسنُه(1)، فكل فعل محسَّن شرعا وعقلا، فالله يأمر بإتيانه والقيام به، من طرف الأفراد ومن الجماعة الممثَّلة في وليِّ الأمر، كلٌّ في نطاق صلاحيَّاته ومستواه.

ثالثا: النهي عن المنكر:

والمنكر: هو ما يترتَّب عليه إلحاق الضرر بالفرد أو الجماعة، وهو كلُّ ما قبَّحه وأنكره الشرع والعقل، أي: عكس المعروف، والنهي عن المنكر يشمل كلَّ ما نهت عنه أصول التشريع الإسلاميِّ، فالاحتكار منكر، والاكتناز منكر، وبخس المكيال والميزان منكر، فعلى وليِّ الأمر محاربتها والقضاء عليها. وله كامل الصلاحيَّة في اتِّخاذ الوسائل لتحقيق ذلك. هذه هي الأسس التي تقوم عليها مسؤوليَّة أولي الأمر، دعوة إلى الخير وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، ويمكن جمعها كلِّها في تحقيق المصلحة، فوليُّ الأمر محكوم في تصرُّفه بتحقيق المصلحة، والمصلحة العامَّة هي المحافظة على مقصود الشرع، يقول الإمام أبو حامد الغزالي: «نعني بالمصلحة العامَّة المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة، فكلُّ ما يتضمَّن حفظ هذه الأصول فهو مصلحة، وكلُّ ما يفوِّتها فهو مفسدة ودفعها مصلحة»(2).

حقوق وواجبات الأفراد تجاه السلطة:

إذا كانت مسؤوليَّة وليِّ الأمر تقتضي مراعاة مصالح العباد والبلاد، فإنَّ للأفراد واجبات وحقوقا ينبغي القيام بها ليسود الانسجام والتكامل بين أطراف عقد البيعة المبرم بين الأفراد والسلطة:

أ) الحقوق:

ذكر ابن حزم في المحلَّى أنَّ للمسلم على الدولة حقوقا(3)، وهي:

1) للمسلم على الوليِّ حقُّ المأكل والملبس والمشرب، فلا يجوز أن يجوع مسلم أو يعرى.

2) حقُّ التعلُّم، فعلى الدولة توفير سبل التعليم.

3) حقُّ العمل كُلَّمَا طلبه الأفراد، وإن لم تستطع الدولة توفير فرص العمل فعليها ضمان معيشتهم.

4) حماية دم المسلم وماله وعرضه.

هذه هي الحقوق الأساسية لكُلِّ فرد، إلى جانب الحقوق العامَّة المستمدَّة من روح الشريعة ونصوصها وهي المساواة والعدل بين جميع أفراد الأمَّة.

(1) الأصفهاني: معجم مفردات ألفاظ القرآن، مرجع سابق، ص343.

(2) الإمام أبو حامد الغزالي: المستصفى، ج1 ص85.

(3) أبو السعود، محمود، خطوط رئيسيَّة في الاقتصاد الإسلامي (الكويت: الاتِّحاد الإسلامي للمنظمات الطلاَّبيَّة - السالميَّة، د. ط، 1398هـ/1978م، ص71.

٧٠ / ١٧٤