مكانة الممارسة التربوية عند القطب محمد بوال

مكانة الممارسة التربوية عند القطب

الجزء ١ · صفحة ١٨٦

المعارف الدينية إلى المريدين الذين يتلقونها بشكل تلقيني وتسليمي مباشر لكونها معارف نقلية تنطلق من المدونة الإسلامية بشقيها المطلق (الوحي قرآنا وسنة) والنسبي (المتمثل في الاجتهادات التي حاولت فهم النص المقدس) حيث يفرض المنهج الإصلاحي للقطب عملا نقديا للاجتهادات السابقة وهو ما ينعكس بالضرورة على المنهج التربوي للقطب.

فاغلب الأدبيات التي تكلمت في منهج القطب التربوي أشارت إلى الطرق المباشرة في ممارسته التعليمية فهي وإن كانت توقفت عند حدود السرد الوصفي تكشف فيما وراءها عن التجديد في المضمون، وسنعرض لبعض تلك الأدبيات مستنتجين منها مظاهر التجديد.

أولا: أدت محاولة استعجاله إصلاح بعض الأوضاع إلى اختلاق أعداء له خاصة بعد اكتسابه أنصارا بفضل أفكاره الإصلاحية انتهت به إلى نفيه من بلدته(1)، حيث النفي سنة من السنن التي تتكرر مع كل مجدد، حيث لا تجد الأفكار التجديدية المجال الثقافي السائد مهيأ لتقبلها وفقا للعبارة التقليدية: "لاكرامة لنبي في قومه"، فلا شك أن النفي كان نهاية جدل داخلي لابد وأنه دام فترة ما، وهو ما يدلنا عليه فتحه لمنزله للتعليم يأتيه إليه التلاميذ من كل أنحاء الوادي(2).

ولعل انفتاحه على بقية المذاهب كان عاملا من عوامل محاصرته داخليا وفي الوقت ذاته عاملا لشهرته حيث منح مجالا بالمسجد النبوي بالمدينة المنورة لتدريس العقيدة السنوسية(3)، وهو ما يصدقه في إحدى أجوبته بضرورة الاستفادة من آراء المذاهب الفقهية الأخرى في قوله: "ولا يمكنك الاستغناء عن فقه أصحابنا فإنه مأخوذ من أحاديث يرويها أصحابنا وأحاديث يرويها قومنا ليس فيها مخالفة الأصل … "(4).

إذ تدلنا العبارة الأخيرة من النص "ليس فيها مخالفة الأصل" على المنهج الواضح للقطب على أن هناك أصلا يتجاوز المدارس الفقهية ويتعالى عليها، كونه المصدر المطلق للدين (القرآن والسنة) وذلك بالخروج من التصور الضيق إلى الواسع للدين بالانفتاح على الجميع دون الانكفاء على أحد لوحده(5).

ثانيا: قيام القطب على عدة حلقات علمية مختلفة من حيث الشرائح الاجتماعية حيث كان يتبع برنامجا تعليميا مختلفا بين عامة الناس مخصصا لهم فترة ما بعد صلاة الصبح، والتلاميذ خصص لهم فترة الضحى إلى أول الزوال، إضافة إلى تخصيصه مجلسا بعد العصر للإفتاء كما خص التلاميذ الغرباء الوافدين من خارج ميزاب بحصص إضافية في الظهر والعصر والليل متبعا في ذلك طريقة الحلقات(6).

فكان الشيخ بإمضائه يومه في تدريس مختلف المستويات مؤسسة تعليمية قائمة بذاتها وهو ما يشي بما يلي:

(1) - مصطفى وينتن، آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية، نشر جمعية التراث القرارة غرداية، ب ع ط 1996، ص 31

(2) - نفسه، ص 54

(3) - نفسه، ص 54 ص 55

(4) - محمد بن يوسف اطفيش، كشف الكرب، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان 1985، ص 87

(5) - مصطفى ويتن، المرجع السابق، ص 30

(6) - نفسه، ص 56

٢ / ٧