مكانة الممارسة التربوية عند القطب محمد بوال

مكانة الممارسة التربوية عند القطب

الجزء ١ · صفحة ١٨٧

- جدة منهجه الذي ألزمه الإشراف الفردي المباشر على التعليم، سعيا لتكوين نخبة حاملة لمنهجه التجديدي مستقبلا، وهو ما فرض عليه اتخاذ مقاييس وشروط لقبول التلاميذ في حلقة الدرس (تكوين النخبة) ومنها: حفظ القرآن الكريم إضافة إلى الإلمام بمبادئ بعض العلوم وكذا حفظ عدد من متون العلم المختلفة.

- تكامل منهجه التربوي التعليمي بقيامه بترتيب العلوم(1) حسب وجوب تعلمها كما يلي: التوحيد الفقه الحديث أدب العلم والمعاشرة، وعلوم اللغة وغيرها(2) وهو التصنيف الذي يتوافق مع التقسيم الشهير للعلوم بين العلوم الوسائل والعلوم الأدوات حيث يقول القطب رحمه الله: "وأما الفن الذي تشتغل فبعد التوحيد [علم غاية] الإعراب [علم وسيلة] والتوحيد بالحجة بقدر ما أمكنك الفقه والسنة والتفسير [علوم وسيلة لعلم التوحيد الغاية] "(3)

- ومن النقطتين السابقتين تنتج أهم خلاصة عن الممارسة التربوية القطبية وهي تأسيسه لمؤسسة تعليمية مستقلة عن المؤسسة السائدة، إذ حاول من خلال تحرير الدين من تقاليد الزعامة الروحية ذات الطابع التقديسي المفسدة لمعاني الدين الأصلية، ومن ثم فقد كان فعله التربوي ساعيا إلى تحرير مضاعف تمثل في التحرير العقدي والمتمثل في إعادة تأسيس علاقة الإنسان بالله على أسس الدين الأصلية، والتحرير الاجتماعي بإعادة تأسيس علاقة الإنسان بالإنسان من خلال الفعل التربوي.

وفي ذلك يرى ابن خلدون أن أول قواعد الفعل التربوي هي سعي المربي لأن يجعل من المربى مشاركا في فعل تربيته بالالتزام الذاتي وهو ما يسمى بإحياء الضمير الذي يحاسب به المرء نفسه قبل أن يحاسبه الآخرون، ويضيف بأن مسألة التربية التعسفية لا تفسد تعلم الإنسان فحسب بل تفسد عليه معاني الإنسانية جملة(4).

فالتعسف إذن في الرؤية الخلدونية لا يتوقف عند القهر الفعلي الممارس بالجوارح بل يتعداه إلى القهر الروحي المستند إلى السلطة الروحية، وقد قال تلميذه الشيخ أبو اليقظان عن منهجه التعليمي: "بعد الشرح والتحليل والتعليق بحسب مدارك التلميذ يرجع لاختبار وعي التلميذ وفهمه فيكلفه بإعادة ذلك وتكراره فإذا تلعثم أعانه وإذا لم يجد الفهم والهضم أعاد ما تعسر عنه، ولا يمر عن المشكل إلا إذا فهم التلميذ جيدا ورسخ في ذهنه"(5)، كما أنه كان يستعين بلغة أهل ميزاب للتوضيح خاصة في دروسه لعامة الناس(6).

فكان الشيخ اطفيش يراعي أهم الطرق البيداغوجية السليمة وهي العناية بمدارك التلاميذ توافقا مع النظرية الخلدونية في ذلك وهو ما يدل على حيازة القطب لأهم مقومين من مقومات

(1) - متبعا في ذلك منهجا تصنيفيا للعلوم على غرار كبار العلماء حسب أهميتها وأولويتها متخذا الاعتبار الديني أساسا لهذا التصنيف مراعاة للشأن الأخروي للإنسان.

(2) - نفسه، ص 57

(3) - محمد بن يوسف، المرجع السابق، ص 57

(4) - أبو يعرب المرزوقي، صونا للفلسفة و الدين، دار الفرقد دمشق، الطبعة الأولى 2007، ص 201

(5) - بكير بن سعيد عوشت، قطب الأئمة، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع سلطنة عمان، ص 80

(6) - مصطفى وينتن، المرجع السابق، ص 57

٣ / ٧