الجزء السادس
الجزء ٣ · صفحة ٢٥٧الباب الستّون
في الخمر وتحريمها
قال الله سبحانه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ الآية (سورة البقرة: 219) قدّمها هنا ولم يحرّمها ثمّ أنزل ﴿يَاأَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ الآية (سورة النساء: 43)، ثمّ ﴿يَاأَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ الآية (سورة المائدة: 90)، فجاء فيها تحريمها فمن شرب منها ولو قليلا فقد شرب محرّما ويُحدّ وإن لم يسكر، وفي النبيذ إن سكر.
والميسر هو ما يصيبه الرجل من صاحبه من الفضل عند القمار، وقيل: سبب تحريمها أنّ عمر ومعاذ ونفرا من الأنصار أتوا رسول الله ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ وقالوا له: أفتنا فيهما فإنّها مُذهبة للعقل، مسلبة للمال، فأنزل ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ الآية، فتركها قوم مخافة إثمها، وشربها قوم لمنافعها أياما إلى أن صنع عبد الرحمان بن عفّان طعاما فدعا له ناسا من الصحابة وأتاهم بها فشربوا وسكروا وحضرت صلاة المغرب فقدّموا مصلّيا بهم فقرأ: ((قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ … أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ))، فحذف لا فأنزل آية ﴿لاَ تَقْرَبُوا﴾ فحرّم المسكر في أوقات الصلاة، فقال عمر: ما أرى الخمر إلاّ ستحرّم، فلمّا نزلت هذه الآية تركها قوم أيضا وقالوا: لا خير فيما يحول عن الصلاة، وشربها قوم [484] في غير الأوقات ويجلسون في بيوتهم، فشربها رجل منهم فجعل ينوح على قتلى بدر ويقول:
تحيى بالسلامة أمّ بكر … وهل بعد رهطك من سلام
ذريني أصطبح بكرا فإنّي … رأيت الموت نقّب عن هشام
وودّ بنوا المغيرة لو فدوه … بألف من رجال أو سوام
كأنّي بالطويّ طويّ بدر … من الشيرى تكلّل بالسنام
كأنّي بالطويّ طويّ بدر … من الفتيان والحلل الكرام