الجزء السادس
الجزء ٣ · صفحة ٢٥٨فسمعه رسول الله ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ فجاءه يجرّ رداءه فرفع ما بيده ليضربه فلمّا عاينه الرجل قال: أعوذ بالله من غضبه، ومن غضب رسوله، والله لا أطعمها.
وقيل: لمّا أنزل الله تحريمها في سورة المائدة فقال عمر: انتهينا يا ربّنا. وقيل: سبب نزول تحريمها غير هذا أنظره في الكشّاف وغيره، قال أنس: حرّمت وليس للعرب يومئذ عيش أعجب منها وجعل كلّ يخرج ما عنده ويصبّه في الطرق، ومنهم من كسّر أوانيها، ومنهم من غسلها بالماء والطين حتّى قيل: إنّ سكك المدينة بعد طويل إذا أمطرت استبان فيها لونها وريحها.
وروى ابن عمر: ((كلّ مسكر حرام، وكلّ مسكر خمر))، وقيل: إنّها كلّ شراب مسكر عصيرا أو نقيعا مطبوخا أو نيّئا. وقيل: خطب عمر فقال: إنّها نزل تحريمها وهي من خمسة: العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير.
والخمر ما خامر العقل، وقد روي مثل ذلك وزيد فيه الذرة والزبيب؛ وأيضا: أنّ الله لا يجمع الخمر والإيمان في جوف امرئ أبدا، وأنّ من شربها بعد تحريمها فليس له أن يزوّج إذا خطب، ولا أن يُصدّق إذا حدّث، ولا يشفع إذا شفع، ولا يؤتمن على أمانة، فمن ائتمنه عليها فخانها (265) فحقيق أن لا يخلّفها الله عليه. ولله ذرّ القائل:
تركت النبيذ لأهل النبيذ … وصرت حليفا لمن عابه
شراب يكسّر عِرض الفتى … ويفتح للشرّ أبوابه
فصل
يُكره سقي الخمر للدوابّ والصبيان؛ وعن بعض: لو شربت دابّتي ثمّ ذكّيتها من حينها ما أكلت لحمها. وقيل: كتب عمر إلى عمّار بن ياسر بالشامّ: ((أمّا بعدُ، فإنّه أتتنا عير من الشامّ تحمل شرابا قد طبخ حتّى ذهب ثلثاه الخبيثان اللذان هما ريح الشيطان ونفثه، وبقي الطيب، فأمر مَن قِبلك أن يتّخذوه)).