الجزء الثالث عشر
الجزء ٤ · صفحة ١٧٠الباب الثالث عشر
في الأودية والنابت فيها وأحكام الموات.
فالأودية إمّا بين القرى وإمّا خارجها، فالخارجة ــ قيل ــ كالموات، وقيل: هي سبيل الله ما نبت فيها، فهو راجع إلى الفقراء، فإن غرس فيها أحد نخلا أو زرع زراعة، فقيل: لا يجوز لغيره أن يأخذ من ذلك شيئا إلاّ بإذنه، لأنَّها كالموات، وقيل: لا يمنع منها أحد ويأكل هو وغيره، ولو غنيا كالمباحات، وقيل: إنَّها للفقراء خاصّة. والتي بين القرى فكلّ ما فيها للفقراء، ليس لأحد أن يحدث فيها حدثا؛ وإن كان الغارس والزارع في الخارجة فقيرا، فهو أحقّ بغرسه وزرعه من غيره. وفي أودية القرى خلاف، فقيل: إنّه أحقّ به أيضا، وقيل: إنَّه وغيره من الفقراء فيه (33) سواء.
وقيل: إنّ السيول لا تتحوّل عن مجاريها التي تبلغ إليها، وكلّما اتّكى السيل على أرض، لم يكن لأهلها أن يحبسوه منها ويردّوه إلى غيرهم؛ ولو أرادوا ردّه عن أرضهم إلى التي يجري فيها قبل. وإنّما السيول مأمورة مسيّرة مقهورة من الله تعالى، فحيث انتحت فلا يحال بينها وبين طريقها وما اعتمدت عليه؛ وليس لأهل التي يجري فيها من قبل أن يحوّلوه عنها إلى غيرها أو يردّوه عن التي انتحى إليها أو جرى عليها؛ ولكن تترك بحالها من ضرّ أو نفع في أصل مجاريها، فإذا حفرت وأضرت أحدا، فله دفن ما حفرت، أو عكسه من أرضه؛ ولا يمنع منهما. وإن كانت إنّما انتحت بدفن أو حفر من أحد حتّى حوّلها، وكان في الأحياء، لزمه ردّ ما أحدثه، ومجرى السيل على ما عليه. قيل: وإن مات المحدث، لم نر ردّه وهو بحاله كما هو عليه اليوم، لأنّ المحدث أحدث في مثل هذا، ما لم يكن له من قبل، وحدثه مردود وإن لم يطلب إليه حتّى مات؛ لم يلزم وارثه ردّه ولو شهد عليه عدلان أنّ موروثه أحدثه، فهو بحاله لحال موته ولم تعلم حجّته.