التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله الثميني، الملقَّب بـ «ضياء الدين»

الجزء الرابع عشر

الجزء ٤ · صفحة ١٩٣

مدّخرة فذكر أعلاها وهو البرّ وأدناها وهو الملح، عُلم من ذكره أعلى القوت ورجوعه إلى أدونه بذكره الملح بعده مع تفاوت ما بينهما أنّ العلّة هي الاقتيات والادّخار؛ ومن جعلها المأكول احتجّ بأنَّه لمّا ذكر أجناسه وخصّها بالذكر وذكر الأعلى والأدنى وهما المذكوران منها علم أنَّها المأكول. ومن جعلها المكيل المأكول ذهب إلى ذلك أيضا؛ ومن جعلها وجوب الزكاة احتجّ أنّ البرّ والشعير أجناس يتعلّق بها وجوبها فوجب أن تكون هي العلّة، وكلّها متقاربة، وإن كان بعضها أخصّ من بعض، وكلّها أدلّة لمن قال بالقياس؛ وكذا من ذهب منّا إلى أنَّها ما أنبتت الأرض احتجّ بإثباته صلّى اللّه عليه وسلّم الربا فيه، وهو الأصناف الستّة، إذ كلّها من النبات.

وقد تكون العلّة هي الأرض، وقد روي عنه: «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم». خميس: فهذا الخبر ــ إن صحّ ــ فله تأويل ولا يخلو إمّا أنَّه تقدّم الآية أو صاحبها أو تأخّر عنها، فإن صاحبها فهو بيان لها واستثناء لبعض ما خصّ من جملتها، وإن تأخر عنها فهو ناسخ له أو مبيّن لفرضها لتخصيص بعضها؛ وإن تقدّمها فإمّا أن ينسخ بها، وإمّا إن ترتَّب عليه فتجري على عمومها إلا فيما خصّه الخبر من جملتها، واختير أن تكون العلّة في الربا الكيل والوزن فيما يكال أو يوزن، لما روي: أنَّه ابتاع بعيرا ببعيرين، وأجاز بيع عبد بعبدين يدا بيد اتّفاقا.

وقيل: لا يقبل من عمل صاحب الربا شيء ما كان منه قراط في ماله عارفا به.

وزعموا أنّ فيما كتبه صلّى الله عليه وسلّم لأهل نجران أنّ من أكل الربا منهم فلا عهد له وفسّروا قوله تعالى: ﴿ … لا تاكلوا الربا أضعافا مضاعفة﴾ (سورة آل عمران: 130) بأن يبيع رجل إلى آخر بيعا إلى أجل فإذا حلّ قال للبائع لا أجد ما أعطيك ولكن أخّرني وأزيدك على ما لَك عليَّ فيؤخره ويزيده؛ أو يقرضه رجلا شيئا على أن يعطيه كلّ شهر شيئا زيادة على حقّه. أو يشتري دابّة بدابتين أو ثوبا بثوبين (8) نسيئة، فهذا ونحوه ممّا يهلك به من تعمّده ولو جاهلا، فكلّما أضعف النّاس من قرض شيء بشيء نسيئة من نوع فهو حرام، وما أضعفوا من سلف شيء بشيء يدا بيد فهو حلال.