الجزء الثاني
الجزء ١ · صفحة ١٨٧ثابت فمن الأمّارة بالسوء، وما ورد عليه من همّ بخطيئة ووجد العبد فيه انقباضا، فالورود من قبل العدوّ والاِنقباض من قبل الإيمان، وما وجده وجدا من هوى بمعصية ثمّ ورد عليه المنع فالوجد من النفس والوارد المانع من الملك الملهم، وما وجده من فكر في العواقب وتدبير في الأمور فمن العقل، فما وجده من خوف أو حياء أو ورع أو زهد فمن الإيمان، وما شهده القلب من تعظيم وإجلال فمن اليقين وهو من نور الإيمان.
فصل
اِعلم أيّها الطالب لرضى الله أنّ الشيطان لا يرضى منك بغير هلاكك ودخولك النار معه، فلا مطمع فيه بمصالحة ولا لأمن منه ولا لغفلة عنك، قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ الآية (سورة يس: 60)، ﴿إِنَّ الشَّيْطّانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ الآية (سورة فاطر: 6)، لأنّه مجبول على العداوة، منتصب للمحاربة ليله ونهاره، ومعه عليك أعوان منك، وهو فارغ لك وأنت عنه مشغول، ويراك ولا تراه، وتنساه ولا ينساك، فوجب الحذر منه، والاستعاذة من شرّه ومكره، ولا طاقة لمحاربته إلاّ بعون من الله وعصمته.
فإياك وفضول النظر فإنّه يزرع الشهوة، والاِستماع فإنّه يهيِّج الخواطر، والكلام يقع في القلب موقع الطعام في المعدة، فمنه الضارّ، ومنه النافع، ومنه الغِذاء، ومنه السمّ؛ [76] وقد يزول الطعام عنها ويبقى الكلام في القلب مدّة العمر، فإن كان سيّئا أتعبه وأورث القلب وساوس رديئة يحتاج إلى أن يعرض عن تذكّرها ويستعيد من شرّها، وإلاّ فلا يأمن أن توقعه في آفة. ولابدّ من حفظ اللسان، لأنّه أشدّ الأعضاء طغيانا، والنفس تحتمل الصوم في الحرّ، لا ترك كلمة فيما لا يعنيها.