الجزء الثاني
الجزء ١ · صفحة ١٨٨الباب الثالث والعشرون
في أعمال القلب
فإنّ آفاته أربعة: الأمل، والعجلة، والكبْر، والحسد؛ فمن طول الأمل ترك الطاعة والكسل فيها، فالأمل قاطع عن كلّ خير، والطمع مانع من كلّ حقّ، والصبر صائر إلى كلّ ظفر، والنفس داعية إلى كلّ شرّ، ومنه التسويف في التوبة، وابتداء الحرص، والقسوة في القلب، والفتور عن العبادة، والنسيان للآخرة.
ومن الحسد إفساد الطاعات، والقياد إلى المعاصي، وتوريث الغمّ، وعمى القلب عن فهم الحكمة.
ومن العجلة المبادرة إلى نيل منزلة قبل وقتها، فربّما يُحرم منها بها، والإياس والفتور من الاِجتهاد في نيلها، فيعقبه الحرمان منها، والغلوّ في الأتعاب المؤدّي إلى الانقطاع عن نيْلها، فالعبد بين إفراط وتفريط بالاِستعجال؛ وقد رُوي: ((إنّ هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق، فإنّ المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى)).
وربّما أكثر الدعاء في حاجة فيستعجل الإجابة قبل وقتها فيسأم ويتركه فيُحرم منها. ومن العجلة أن يُظلم فيعجّل بالدعاء على من ظلمه فيهلك به، قال الله سبحانه: ﴿وَيَدْعُو الإنسان بِالشَّرِّ﴾ الآية (سورة الإسراء: 11)، فمن لم يتأنّ في الأمور ولم يتوقّف فيها، فإنّه في الغالب يزِلّ.
ومن الكبْر حرمان الحقّ وعمى القلب عن المعرفة، قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي﴾ الآية (سورة الأعراف: 146)؛ وفي الكبر الخزي والهوان، والمتكبّر -قيل- لا يخرج من الدنيا حتّى يُهان ولو عند خدمه، والحريص لا يخرج منها حتّى يحوج إلى كسرة أو شربة ولا يجد مساغا لها، ولا المختال حتّى يتمرّغ في بوله وقذره.