الجزء الثاني
الجزء ١ · صفحة ١٨٩ومن تكبّر بغير حقّ، أورثه الله ذلاّ بحقّ، وعذّبه بالنار؛ فالكبر خاطر في رفع النفس، ضدّ التواضع، فتواضع العامّة الاكتفاء بالدون من الملبس والمسكن والمركب ونحوها، والخاصّةِ تقرير النفس على قبول الحقّ، والكبر ضدّ ذلك.
والبطن أكثر الأعضاء شغلا ومؤونة وأشدّها إصلاحا، لأنّه المنبع والمعدن، ومنه تهيج الأشياء في الأعضاء من قوّة وضعف وعفّة وجماع، فيجب أن يُصان عن الحرام والفضول، ولا يصلح لخدمة المولى إلاّ طاهر، فأكل الحرام محروم، وإن اتّفق له فعل خير فهو مردود، والفضول آفة العبادة؛ فمن كثرة الأكل قسوة القلب، وذهاب نوره، وتهيّج الأعضاء، فأفعال العبد وأقواله على حسب طعامه وشرابه.
وقيل: إنّ سكرات الموت على قدر لذّات الحياة، فاجتناب الحرام وهو ما كان مِلكا للغير واجب إلاّ بحقّ، والشبهة وهو المتردّد بين الحلال والحرام في الشُّبَه مستحبّ.
[77] ويكفي في الحذر من الدنيا ما يعاينه العاقل من فعلها بغيره، وفي الاِحتراز من الشيطان أنّه لم ينفع إن أُطيع، ولم يُضر إن عُصي، ففي مخالفته راحة وفي مخالطة الخلق إفك، إن وافقتهم أثمت وإن خالفتهم تعبت وكدروا عليك أمرك، فإن مدحوك خيف عليك من العُجب، وإن ذمّوك خيف عليك الحزن والغضب لغير الله.
والنفس أشدّ الجنود، فإنّها في الشهوة كالبهيمة، وفي الغضب كالسبع، وعند المصيبة كالطفل، وعند النعمة كالجبابرة، إن شبعت بطرت وتاهت، وإن جاعت جزعت وصاحت، وقيل: إذا همّت بمعصية أو تحرّكت لشهوة لو تشفّعت إليها بالله سبحانه والملائكة والأنبياء والرسل والأولياء والكتب، وعرضت عليها الموت والقبر والجنّة والنار لما انقادت وتركت، لسوء خلقها وخسّة فعلها، كما وصفها خالقها حكاية بأنّها أمّارة بالسوء إلاّ ما رحم.