الجزء الثاني
الجزء ١ · صفحة ١٩٠فصل
العبادة صنفان: اكتساب واجتناب، فالاِكتساب فعل الطاعات، والاِجتناب ترك المنهيات، وهو أفضل من الاِكتساب، فمن جمع بينهما استكمل الفضل وحصل المراد، فسلم وغنم، وإن لم يقدر إلاّ على أحدهما، فاجتناب المنهي عنه أولى من النفل.
وسُئل ابن عبّاس عن رجل كثير الخير وكثير الشرّ، وعن آخر قليل منهما، فقال: لا أعدل بالسلامة شيئا، وكذا معالجة المريض بالدواء والاِحتماء إن لم يتّفقا، فالاِحتماء أبلغ له؛ وحمية صحّة الدين التقوى، وفسادها في الأغلب يأتي من قبل اللسان، لأنّه كلب عقور، ومن البطن فإنّه وعاء الطعام وبذر العمل وماؤه، فإذا خبث البذر لم يطب الزرع، فيجب على العبد النظر في قوته والتأدّب في أكله ومن القلب، لأنّ الصلاح والفساد منه، لأنّه أصل (73) الشجرة والأعضاء أغصانها، فمنه تستمدّ، وقيل: هو كالمَلِك، إذا صلح صلحت الرعية وبالعكس، فالاِهتمام بإصلاحه أشدّ من إصلاح غيره.
فصل
يعرض للعبد عن العبادة أشياء: الاهتمام بالرزق، ومطالبة النفس له، ثمّ الأخطار (74) والمخافات وارتكابها، ثمّ القضاء وأنواعه، ثمّ الشدائد والمصائب والجزع، فيكفي في الرزق التوكّل والتفويض، فمن له قوّة في قلبه وهو على بصيرة من أمره وكمال يقين بوعد الله وثقته بضمانه، فلا يلتفت إلى إنسان، ولا إلى شيطان، بل إلى الله سبحانه.
وضعيف القلب يكون بين توكّل وتردّد، وفتور وتحيّر. ورُوي: ((من سرّه أن يكون أقوى الناس، فليتوكّل على الله، ومن سرّه أن يكون أكرم الناس فليتّق الله، ومن سرّه أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده)).