الجزء الرابع عشر
الجزء ٤ · صفحة ٤٠٦الباب الرابع والثمانون
في الرهن
وقد أمر الله به عباده لحفظ أموالهم ونهى عن إضاعتها وأن يتستوثقوا عليها إذا أرادوا بيعها نسيئة بكتابة وبيّنة ورهن، فقال: ﴿يآ أيُّها الذين ءامنوا إذا تداينتم بدين﴾ الآية. ﴿وإن لم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة﴾ (سورة البقرة: 282)؛ والرهن جائز ولو في الحضر بالكتاب والسنّة، وروي عن أبي رافع أنَّه قال: بعثني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى يهودي أسلف له منه طعاما أو أشتريه له فأبى إلاّ بالرهن فرجعت إليه فأخبرته بقوله؛ فقال: لو باع لي أو أقرض لي لوافيته له إنّي واللّه لأمين في الأرض وأمين في السماء، فأمره أن يرفع له درعه فرهنها له، فأنزل اللّه عليه تسلية له عن الدنيا قوله تعالى: ﴿ولا تمدّن عينيك﴾ إلى ﴿وأبقى﴾ (سورة طه: 131).
وقد اختلف فيما رهنت فيه فقيل: في عشرين صاعا من شعير، وقيل: في ثلاثين من تمر؛ فمات [216] صلّى الله عليه وسلّم وهي عند اليهودي.
وفي هذا الحديث سنن إباحة معاملة أهل الكتاب والردّ على من لا يجيزها لما يدخلون في تجاراتهم من محرّم، وعلى من لا يجيز الرهن إلاّ في السفر، وإباحة مدح المرء نفسه عند من لا يعرف قدره إن احتاج إليه، والردّ على من لا يجيز له أن يدّخر أكثر من قوت يومه وليله، وجواز اليمين بالله إذا علم أ نَّه محقّ فيها.
وذكر أنَّه صلّى الله عليه وسلّم ادّخر ذلك الطعام يأكل منه هو وعياله حتّى مات وبقي بعضه.
وقد جاز الرهن بين من جازت مبايعتهما فيما مرّ، وفي كلّ وقت ومكان، وكره في مسجد وفي الدين الواجب المعلوم لا المجهول؛ وقيل: جائز فيه أيضا.