الجزء الثاني
الجزء ١ · صفحة ٢٠٧وتوابيت للعظمة، وخزائن للقدرة، فهم بين الخلق مقبلون ومدبرون، قلوبهم تجول بين الملكوت، وتلوذ بمحجوب العيوب ثمّ ترجع، وحقّ لها من لطيف الموائد ما لا يمكن لواصف وصفه؛ فهم في باطن أمورهم كالديباج وحشاهم، في الظاهر مناديل يبذلون لمن أرادهم تواضعا.
وهذه طريقة من الفكر لا يبلغها أحد بالتكلّف، وإنّما هو فضل الله يؤتيه من يشاء. ومن تفكّر -قيل- في العواقب دمعت عيناه ووجف قلبه، والفكر مرآة المؤمن تريه حسناته وسيّئاته، وتفكّر ساعة خير من قيام ليلة. والفكر ثقيل على القلب ويخفّفه الله على من يشاء.
فصل
الأدعية كلّها حسنة، وأفضلها الاستغفار في الأسحار مع حضور القلب والقطع بالإجابة.
وروي: اُدعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، وأنّه لا يستحبّ دعاء من قلب غافل، وأنّه لا يحرم السائل الإجابة، وأنّ من سأل ربّه أعطاه.
فإذا أراد أن يستجيب لأحد ألهمه الدعاء، وإذا أراد أن يحرمه أنساه الدعاء والتضرّع إليه. وربّما كانت الإجابة بسرعة مقتا من الله وبالعكس محبّة منه لعبده ليعاود الدعاء والتضرّع، وذلك أصلح له.
ويروى: «إذا دعوت فادع بباطن كفّك، فإذا فرغت فامسح بهما وجهك»؛ ويكره رفع الأيدي والأصوات عند الدعاء، وقد مرّ ذلك.
وفرق بين التضرّع والمسكنة والابتهال؛ فالتضرّع -قيل- أن تبسط يسراك وتجعل باطنها [85] نحو السماء وظاهرها نحو الأرض، وتقبض أصابع يمناك وتشير بسبّابتها وتحرّكها وتدعو؛ والاستكانة أن تضمّ أصابعك جميعا وتجمع كفّيك وتجعلهما