الجزء الثاني
الجزء ١ · صفحة ٢١١الباب الثلاثون
في ذكر الدنيا والآخرة وبيان حالهما
وسُمّيت دنيا لدنوّها، وقيل: لدناءتها، والآخرة لتأخّرها عنها؛ فذهب قوم إلى أنّ الدنيا هي الأرض والسماوات وما بينهما، والآخرة تكون بعد انقضائها، وقيل: إنّ بينهما برزخا، ويقال: ليس شيء أقرب من شيء من الدنيا إلى الآخرة، وليس شيء أبعد من شيء من الآخرة إلى الدنيا لامتناع الرجوع إليها.
عزّان: ليس الدنيا بلهو ولعب ولكن فيها ذلك، وكذا من فيها. قال تعالى: ﴿إَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ إلى ﴿الغرُورُ﴾ (سورة الجديد: 20).
ابن أدهم: سألت راهبا ما الدنيا؟ فقال: خلق كخلق امرأة، رأسها الكبر، ووجهها الفرج، وعيناها الشهوة، ولسانها الغدر، وأذناها النسيان، ونفسها العلوّ، وقلبها الطمع، وبطنها الحرص، ورجلاها الحسد، وعنقها الحزن، وظهرها الإياس من الله، وزينتها الشهوات؛ فهي صفة الدنيا التي تتشاجرون عليها، فاحذروها.
وقال علي: لذّة الدنيا في ستّة: مأكول ومشروب وملبوس ومركوب ومنكوح ومشموم؛ وللدنيا ظاهر وباطن، وجسم وعرض، وأوّل وآخر، وشاهد وغائب؛ فالباطن اتّباع الهوى كالكبر والحسد والغلّ والحقد وحبّ المحمدة والرئاسة وسوء الظنّ ونحو ذلك، والظاهر الدينار والدرهم والدار والخادم والمركب ونحو ذلك، فما أخذته من الدنيا للآخرة فمحمود، وما أخذته من الدنيا للدنيا فمذموم.
وسمع -قيل- علي رجلا يذمّ الدنيا فقال له: أيّها الذامّ لها أنت المجترم عليها أم هي المجترمة عليك، ويحك فيم تذمّها! أليست منزلة صدق لمن صدقها، ودار عمل لمن فهم عنها؛ هي مسجد أحبابه ومصلّى أنبيائه ومهبط وحيه ومتجر أوليائه، اكتسبوا منها الرحمة فربحوا [87] فيها الجنّة، فمن ذائد بها وقد أذنت بزوالها ونادت بانقطاعها ونعتت نفسها لأهلها، فذمّها رجال يوم الندامة، وحمدها آخرون، حدّثتهم