الجزء الثاني
الجزء ١ · صفحة ٢٢٤فصل
من كان بين منافقين لا غنى له عنهم، فله لقاؤهم ببشر حسن، وملاطفة بقول وفعل، ويريهم التصويب لهم منه، ويفارقهم في السرّ، وتسعه التقية، لأنّ المؤمن يلقى الناس بلين الكلام ولو آمنا، وبما يكون به في دينه سالما، وينكر بقلبه أفعالهم القبيحة إن قبلوا قوله.
وإن أذاه أحد بقول أو فعل، فالمأمور به كفّه عنه بمداراته والإحسان إليه، اقتداء بسيّد البشر.
وجاز إضمار العداوة للكفّار، وإظهار الودّ لهم تقيّة اقتداء به أيضا حين قال لرجل استأذنه في الدخول عليه: «بئس العشير»، فلمّا دخل ألان له القول، فعاتبته عائشة في ذلك، فقال لها: «إنّ أشرّ الناس منزلة غدا من تركه الناس اتّقاء لفحشه».
وللمرء أن يُرضي من يخشاه بقول ليّن، ويضمر خلافه لجرّ نفع أو دفع ضرّ، لا مصانعة في معصية. ولقاء الناس بلين الجانب من حسن الخلق، والتعطّف لا من المصانعة؛ ومن سلم من معصية ويلقى الناس كيف شاء، وإن بوصوله إلى جائر ولم يكن عاصيا بذهابه إليه لم يكن عاصيا في ذلك ولا مصانعا، وإنّما هو من حسن أخلاقه ليتّقيه صرفا لضرّه، واستكفاء لمعصيته، وذبّا عن غيره، فيكون ذلك منه عبادة.
وجاز الصنع -قيل- لذمّيّ وملِك وغيرهما إن أدّى إلى تقوية الدين، وأمر الآخرة، أو قضاء حاجة مباحة، وكلّ ما ينقص من دنياك فتحتمله فهو مدارات، وفي أمر الآخرة مداهنة.
وندب لعاقل أن يعتزل أهل زمانه إن رأى العزلة أصلح لشأنه، لما روي: «أنّ صوامع المسلمين بيوتهم».
ابن عبّاس: وهل يفسد الناس إلاّ الناس. وعن عمر: خذوا حظّكم من العزلة.