الجزء الثاني
الجزء ١ · صفحة ٢٢٦[94] الباب الثالث والثلاثون
في النوم والأكل والشرب والجماع، وأدب ذلك
وقد روي: «إنّ الله يبغض كثرة النوم والأكل والراحة، ويحبّ قلّة ذلك»، وأيضا: «أريحوا القلوب تعي الحكمة».
وقد جعل النوم دليلا على الموت، والقيام منه دليلا على البعث؛ وينبغي للعبد أن يعلم أنّ عليه لنفسه حقّا، فلا يمنعها حقّها؛ إذا أسهرها ليلا، أراحها نهارا؛ ولا يمنعها الطعام والشراب إن وجد، فتضعف عن أداء ما افترض الله عليها، وليصبر لقضاء الله.
ونُهي عن النوم قبل صلاة العِشاء والسمر بعدها، وهو التحدّث في أمور الدنيا والشعر واللهو والمعازف، وهذا حرام في كلّ وقت، وعن نومة الضحى وهي مخلفة، لأنّها ساعة الانتشار وابتغاء الفضل؛ والعرب تقول: إنّها مكسلة ومبخرة ومنسئة للحاجة.
فالنوم ثلاث: نوم الخلق في الهاجرة مأمور به، ونوم الخرق في الضحى، ونوم الحمق في العصر؛ وعن النوم بين الشمس والظلّ، فالظلّ مبارك؛ وعن نوم الصبيّ عند الباب، ولا يُتخطّى نائم، وعن نوم الرجل على بطنه والمرأة على قفاها، وهي نومة الشيطان، وعن وضع مستلق إحدى رجليه على الأخرى، ولا تدَعوا نائما على بطنه، ولا على المحجة.
وجاز إيقاظ النائم لحاجته، وإن لم يأمر به، ويؤجر موقظه للصلاة، ويأثم إن تركه حتّى فات الوقت، ولا بأس بإيقاظ نائم بين جماعة، وإن لم يحدث. وكُره تنبيه صبيّ، ويضمن إن زال عقله به.
وينام -صلّى الله عليه وسلّم- على يمينه، ويضع يمناه تحت خدّه، وليقل من استيقظ: الحمد لله الذي أحياني بعد أن توفّاني وإليه النشور؛ وكُره النوم في حمراء لاعتراء الجنون به، فالأنبياء -عليهم السلام- ينامون على ظهورهم لانتظارهم الوحي