الجزء الخامس عشر
الجزء ٥ · صفحة ٢٢٩الباب الثّالث والخمسون
في الرّضاع وما جاء فيه
قال الله تعالى: ﴿وأُمَّهاتُكُمُ التي أرضَعْنَكم … ﴾ الآية (النساء: 23). وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «يحرم من الرّضاع ما يحرم من النّسب». فدلَّ أنَّ النّكاح يحرم به ولو مصّة، فإذا صار اللبن في حلق المرضع وجب حكم الرّضاع. وقال أيضا: «لا رضاع بعد فصال».
واختلف في قدر ما يحرم منه، فقال أهل الحجاز: لا يحرم منه أقلّ من عشر مصّات، وقال بعض: خمس، ولا يجوز عندهم ما دون ذلك؛ وقال أهل العراق: لا تحرم إلاّ بعدلين إن شهدا على معاينة الرّضاع، ولا يوقِّتون له وقتا ولا مقدارًا؛ وقال داود: لا يحرم منه أقلّ من ثلاث مصّات؛ وروى أبو عبيد: لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان؛ وقال أهل الظّاهر: لا يقع التّحريم بأقلّ من ثلاث رضعات لرواية أمِّ الفضل، وهي رواية أبي عبيد. والمصّة والرّضعة والإملاجة كلّها بمعنى.
وقال أصحابنا: تحرم بالمصّة، والقليل فيه كالكثير، ما لم يتمّ للرّضيع حولان، وهو صحيح ووافقهم بعض الحجازيِّين والعراقيِّين، وهو مذهب عليٍّ وابن عباس وابن مسعود وطائفة من التّابعين، لأنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم شبَّهه بالنّسب.
خميس: وأجمعوا على أنّ الرّجل إذا جاز بامرأة، وإن بسفاح حرمت عليه أمّهاتها، وإن علون وبناتها، وإن سفلن، ولو لم يكن معها إلاّ قدر التقاء الختانين، فهو ومن يغشاها خمسين سنة كلَّ وقت سواءٌ في الحرمة في النّسب؛ فكذا رضيع امرأة حولين، ومن دخلت حلقَه قطرة من لبنها فيهما سواءٌ في حرمة [327] الرّضاع، وحدُّه الفصال وهو الفطام، وتمامه سنتان، قال تعالى: {وحَملُه وفصالُه ثلاثُون