الجزء التاسع عشر
الجزء ٦ · صفحة ٤٩٣به قبل ذهاب بصره، ومنع أبو الحسن تقليده في الشَّهادة، وجازت رفيعته عند بعضهم إن كان من أهلها، وقبول فتياه، وقد اتَّفقوا على أنَّ فتيا ابن عباس وأبي عبيدة مقبولة، وكذا أهل عمان في أبي الحواري وفي أبي المؤثر يقبل منه ما رفعه عن ابن محبوب وغيره، وكان يفتي بفتياه ويعمل بها إذا خاطب من يروي عنه، وصحَّ له بالشُّهرة إلاَّ تراه إذا قال: جعلت فلان ابن فلان في الحلِّ جاز له، لا لمن يخاطبه: جعلتك فيه، وتقبل فتياه مشهور بالعلم كما شهر صالح بن سعيد فيها وكلُّهم عميٌّ.
وإن شهر عند أعمى عالم وعرفه، فله أن يروي عنه كما عرف أبو المؤثر ابن محبوب وروى عنه، وجابر عن ابن عباس، فيروي الأعمى عن البصير كعكسه، وجاز ذلك في الفتيا لا الشَّهادة.
فصل
أبو سعيد: زال عن الأعمى حكم التعبُّد بالأنجاس بزوال حكمها بالمعاينة، وما يدرك من المحجورات بريح أو طعم يعرف به، فلا يسعه أن يجهل حكمه بعد المعرفة، كما لا يسع المبصر إذا عاين النجس أو عيَّنه، وما يدرك بمعاينة ولا ريح له ولا طعم يعرف به، فقد زال عنه حكم حجره وأبيح له حيث وجده؛ وإن كان في يد غير ثقة ويؤكل من الِّثقة ويشرب مالا يدرك بالعين ولا بالرِّيح ولا بالطُّعم، فيكون منه طيِّبا، ولو حرم في الأصل كنبيذ الجرِّ والأديم.
وإن كانت على أعمى حقوق لقوم يعرفهم قبل أن يعمى، ويعرف أصواتهم، فإذا سلَّمها إليهم أو اِستحلهم فلا يبرأ في الحكم حتَّى يصحَّ عنده، ولن يصحَّ أبدا وجاز في الاطمئنان، وإن من فعل غيره.
وله أن يوكل لنفسه فيما يحتاج إليه، وله أن يتزوَّج ويزوِّج، ومنع أبو عبد الله بيع الأعمى وشراؤه وسلفه وعطيته، وأجاز توكيله في ذلك وفي المنازعة وفي التَّزويج له وفي كلِّ أموره، وأجاز له وعليه فعل وكيله، وجاز إقراره بما عليه إذا عرف صاحبه بنفسه.