الجزء الرابع والعشرون
الجزء ٧ · صفحة ٢٩٦الباب الخامس والعشرون
في شهادة الزور والجائز منها وغيره وفي التوبة منها
فإنَّها من أكبر الكبائر، ومن الزور قذف المحصنات، وشهادة الباطل، ولا تقبل لشاهده شهادة إلاَّ بعد التوبة، فإذا تبيَّن منه الصلاح والمسارعة إلى الخير، قبلت توبته، وثبتت ولايته، وجازت شهادته في مستقبل، إلاَّ فيما شهد فيه بالزور، فإنَّها لا تقبل منه فيه أبدًا عندنا، وقيل: إنَّه قاتل لنفسه به، ولمن نزع ماله، ولمن أطعمه الحرام كما مرَّ، ولا تقبل توبته حتَّى يغرم ما أتلف به، وإن أخذ عليه رشوة ردَّها، وفي الحلِّ منه فيها خلاف؛ وقيل: لا تقبل شهادته أبدًا، ولو تاب، ويجلد قيل ويطاف به ويطال حبسه حتَّى يتوب، وقيل: يبعث دالعًا لسانه كالكلب، وقد أمر عمر بجلده أربعين، وبحلق رأسه، ويطاف به ويحبس طويلاً.
واختلف في استخراج الحقِّ به، فقال ابن محبوب: من غصب من رجل مالاً، فلم يقدر على الإنصاف منه إلاَّ بشهادة الزور، فلا يحلُّ له أكله بها، ولو حكم له به، وعليه ردُّه إن فعل إلى المحكوم عليه به، أو إلى وارثه؛ واختار أبو سعيد أن يأخذ ماله إن علم أنَّه له بلا ريب، وأنَّه لا يبطله استعمال الشاهدين بالزور، ولا يحرمه عليه ذلك، ولكنَّه يأثم بالأمر بالشهادة به إذ هي باطلة، ولا يحرم عليه إبطاله بوجه حلالاً، ولكن إذا حكم له به ولم يدَّع ببيِّنة وهو يعلم أنَّه له فهو له حلال، فيأخذه ويأكله، وعلى الحاكم غرم المثل للمحكوم عليه، وقيل: لا يجوز له استعمال شاهدي الزور، فإن أخذ عين ماله فلا عليه، وإن أخذ غيره، كما إن حكم له بالمثل أو القيمة تاب، وقاصص المحكوم عليه، فإن أبى قاصص نفسه، ولا يحرم عليه ماله بظلمه لنفسه ولا يبطل.