التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله الثميني، الملقَّب بـ «ضياء الدين»

الجزء الخامس والعشرون

الجزء ٧ · صفحة ٣٢٦

في وجهك ونظرك وعدلك لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك. البيِّنة على من ادَّعى واليمين على من أنكر. والصلح بين الناس جائز، إلاَّ صلحًا أحلَّ حرامًا، أو حرَّم حلالاً؛ لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس فراجعت فيه عقلك، وهديت لرشدك، أن ترجع فيه للحقِّ فإنَّه قديم، ومراجعته خير من التمادي في الباطل؛ الفهم الفهم، فيما تلجلج في صدرك مِمَّا ليس في الكتاب ولا في السنَّة، ثمَّ اعرف الأشباه والأمثال، فقس الأمور بنظائرها، واعمد إلى أقربها إلى الله، وأشبهها بالحقِّ، واجعل لمن ادَّعى غائبًا أو غائبة أجلاً، فإن أحضرها إليه أخذت له خصمه بحقِّه، وإلاَّ استحللت عليه القضيَّة فإنَّه أنفى للشكِّ، وأجلى للعمى.

والمسلمون عدول، إلاَّ مجلودًا في حدٍّ، أو شاهد زور، أو ضنين في ولاء أو نسب، فإنَّ الله تولَّى منكم السريرة، وردَّ إليكم البيِّنات والأيمان؛ فإيَّاك والقلق والتأذِّي بالخصوم، والتنكُّر عند الخصومات، فإنَّ الحقَّ في مواطنه يعظم به الأجر، ويحسن به الذخر. فمن صحَّت نيته، وأقبل على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تخلَّق لهم بما يعلم الله أنَّه ليس من نفسه شانه الله؛ فما ظنُّك بثواب غير الله في عاجل رزقه، وخزائن رحمته. وإيَّاك والرأي، فإنَّ الله ردَّ على الملائكة وقال: ﴿إنِّي جاعلٌ … ﴾ إلى ﴿ … ما لا تعلمون﴾ وقال لنبيئه: ﴿ … لتحكمَ بين الناس بمآ أراك الله﴾ لا بما رأيتَ».

وروي أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم، لمَّا بعث معاذًا إلى اليمن فقال له: «كيف تقضي إن عرض لك القضاء؟ قال: أقضي بما في الكتاب، قال: فإن لم يكن فيه؟ قال: فبما في السنَّة، قال: فإن لم [636] يكن فيهما؟ قال: أجتهد رأيي. قال: الحمد لله الذي وفَّق رسول رسوله بما يرضي رسوله». فإن قيل: كيف لم يذكر الإجماع؟ قيل له: لأنَّه لم يكن في عهد الرسول.

ويقال: إنَّ عمر كتب إلى معاوية بمثل ما ذكرنا.