الجزء الخامس والعشرون
الجزء ٧ · صفحة ٣٣٠وقيل: عزل عمر بن عبد العزيز قاضيًا له، فقال له: لم عزلتني؟ فقال: بلغني أنَّ كلامك أكثر من كلام الخصمين إذا تحاكما إليك.
وكان شريح كلَّما قعد للحكم نظر في رقعة فيها: ﴿ياداودُ إنَّا جعلناكَ خليفةً في الاَرضِ فاحكُم … ﴾ إلى ﴿ … الحساب﴾. وقد أتاه الأشعث بن قيس في مجلس القضاء، فظنَّ شريح أنَّه أتاه مسلِّمًا، فقرَّبه وأجلسه إلى جنبه، وما على الأشعث خصم، فقال: جئتك معه لأخاصمه إليك، فالتفت شريح إلى الأشعث فقال له: كذلك؟ قال: نعم، فقال: تحوَّل مع خصمك، فتغيَّر وجهه، ثمَّ قال: عهدي بك ياشريح وشأنك، فقال له: ياأشعث، جهلك نعمةَ الله عليك، وعقوبتهما على غيرك، إنِّي كذا كنت، فقال الأشعث: والله لأرضينَّه من حقِّه ثمَّ لا أخاصم! ثمَّ قال له: أنت وشأنك، فقام من عنده مغضبًا.
ويقال: أتى شريحا ابن عمٍّ له وهما من بني عديٍّ، فقال له: يا أبا أميَّه، إنَّ لي قرابة وحقًّا، وأريد أن أقدِّم إليك خصمًا، وأحبُّ أن تقضي لي عليه، فقال شريح: نعم إن شاء الله، إن استطعته، فجاء إليه من الغد بخصمه، فاختصما إليه، فتوجَّه القضاء على ابن عمِّه، فلمَّا رأى شريحا يتحامل عليه، قال: أين ما وعدتني؟! قال: حال الحقُّ بيني وبينه، ثمَّ قضى عليه.
وقد أتاه قيل خصمان، فجعل أحدهما يصيح ويخلط، فقال له: خصمك داؤك وبيِّنتك شفاؤك، فافزع منه إلى دائك، يعني: إيت ببيِّنة إن كان لك، فأتى بها، فقال شريح: أمَّا أنا فلم أدعكما، فإن قمتما لم أمنعكما، فأنتما على ما آذيتمونا، فاتقيا الله ربَّكما.
ويقال: إنَّ امرأة اختصمت إليه، فجعلت تبكي فرآها رجل، فقال: كأنَّها مظلومة، فقال شريح: قد جاء إخوة يوسف يبكون.
وكان يقول للخصم: إنِّي والله لا أقضي لك، وإنِّي لأظنُّك ظالما، ولا أقضي بالظنِّ، وإنَّما أقضي ببيِّنتك، وإنَّ قضائي لا يحلُّ لك حرامًا، الحقُّ أحقُّ من قضائي.