التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله الثميني، الملقَّب بـ «ضياء الدين»

الجزء الخامس والعشرون

الجزء ٧ · صفحة ٣٣٦

الباب الرابع

في ذكر شيء من أدب القاضي وما ندب له

فإذا أراد من ولي الحكم أن يخرج إلى ما يحكم فيه فلا يخرج حتَّى يقضي حاجته ويتوضَّأ ويتغدَّى ثمَّ يخرج إليه بالسكينة والوقار، ولا يخرج إليه إن كان به غضب، وإن حدث به بعد خروجه رجع إلى منزله، لما روي أنَّه: «لا يحكم الحاكم وهو غضبان، ولا يقضى القاضي وهو شبعان». فإذا أتى مجلسه سلَّم على من حضر فيه، ثمَّ يسأل العافية والعون والرشاد والعصمة والتوفيق، ويستقبل القبلة لما روي أنَّ لكلِّ شيء شرفًا، وأنّ أشرف المجالس ما استقبل به القبلة، وإذا جلس الخصوم أعرض عنهم هنينة حتَّى تجتري قلوبهم، وتنشط ألسنتهم، ويذكرون حاجتهم، ويُجلس الخصمين بين يديه، ويسوِّي بينهما كما مرَّ، وإن في لحاظ، ويجلس معه عالمين ورعين، يرشدانه إذا زلَّ ويخبرانه إذا غفل، ويؤدِّبان الخصوم، وذلك أسلم له، وينظر بين القادمين منهم أوَّلاً، ويقعد لذلك إلى انتصاف النهار.

واستحبَّ بعض الحكَّام القعود نهاره كلَّه، وهذا لمن لا يتغيَّر حاله، وتكون النساء عنده أقرب إليه من الرجال. وله أن يشاور العلماء بالعربية وبالكتاب والسنَّة والآثار واختلاف الأقوال.

ولا يحرِّف الكلام ووجوهه، ولا يكون هذا في رجل حتَّى يكون عالما بذلك مأمونًا، ولا يقصد إلاَّ الحقَّ، ولا يقبل من أشار إليه بشيء عنده، حتَّى يخبره أنَّه من حقٍّ لزم من الكتاب أو السنَّة أو الإجماع أو من قياس على مجمع عليه، وينظر هل يحتمل غير ما قال، فإن لم يحتمله، أو كانت سنَّة لم يختلف في روايتها قبله.

وإذا ورد عليه مشكل أحضر له أصلاً وسأل عن ذلك، ولا يحكم حتَّى يتبيَّن له ما يجب عليه أن يحكم به وله أن يشهد على ما حكم به؛ وإن يكتبه.