التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله الثميني، الملقَّب بـ «ضياء الدين»

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٤٣

وينابيع الأخبار، لا يطيش لهم سهم ولا يسقط لهم وهم، ولو عدموا ذكاء الطباع فقد أفادتهم الأيام تجربة.

وللعقل آفات لا يسلم منها إلاّ من عُصم (23)، وهي الهوى والشهوة، وهما أخفى مسلكا من الروح في الجسد، فمن أراد أن يكون حرًّا فلا يهوى، وإلاّ صار عبدًا.

الأصمعي العربي [لـ]ـصغير: أيسرّك أنّ لك مائة ألف درهم، وأنّك أحمق؟ فقال: لا والله. قال له: ولِمَ؟ قال: أخاف أن يجني عليّ حمقي جناية تذهب بمالي، ويبقى عليّ حمقي. فتعجّب من ذكائه، واستخراجه معنى لا يدركه أكبر منه.

ودهاة العرب ستّة: معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاصي، والمغيرة بن شعبة، وزيّاد بن أبيه، وقيس بن سعد بن عبادة، وعبد الله بن يزيد بن ورقاء. فمعاوية للأناءة في الأمور، وعمرو للبديهة، وزيّاد للصِّغار والكبار، والمغيرة للأمور العظام.

وقال: ما رأيت أطول أناءة ولا أثقل حِلمًا من معاوية، ولا أغلب للرجال وأقواهم حين يجتمعون من عمرو، ولا أشبه سرًّا بعلانية من زيّاد؛ ولو أنَّ المغيرة في مدينة لها ثمانية أبواب، لا يُخرج من باب منها (24) إلاَّ بالمكر، لخرج من جميعها.

ولم أجد على قيس وعبد الله كلاما.

ومن صرَّف عقله كهؤلاء والحجّاج وأمثالهم إلى الدهاء والمكر والشرّ والحيل فعقله مذمومٌ.

وإنّما العقل عقل عمر رضي الله عنه؛ وقد قال: لست بالخِبِّ، والخِبُّ لا يخدعني. قال المغيرة: كان والله عمر أفضل وأفضل من أن يَخدع»؛ وقد أمر أبا موسى أن يعزل زيّادًا عن ولايته فقال زيّاد (25): أعَن موجدة؟ -أي ذنب- أو خيانة يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا عن واحدة ولكن كرهتُ أن أحمل على الناس فضل عقلك.

٣٨ / ٣٬٥٨٥