الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥٨الباب التاسع
في قيام الحجَّة في قبول الفتيا وغيرها
قال الله تعالى: ﴿فاسألوا أهلَ الذكرِ … ﴾ الآية. (سورة النحل، 43).
وتعلَّموا في الحلال والحرام، وميِّزوا. ويسع العالمَ أن يجتهد فيما يسعه كما مرَّ؛ فإن ورد عليه ما حَكَم به الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا يفتي بغيره؛ وإن ورد عليه ما اختُلفَ في روايته عنه، اجتهد ونظر الأشبه، وإن لم يبلغه ذلك عنه، وجاءه عن الصحابة وأجمع عليه الثقات بعدهم أخذ به؛ وإن لم يبلغه فيه حديث عنه اجتهد في الأقوال؛ وإن لم يبلغه عنه، ولا عن أصحابه، وبلغه إجماع التابعين فلا يفتي بغيره.
فطلب الفقه بصدق النّية أفضل من كل عبادة، وندب لمبتلٍ (56) أن يسأل الأفقه في مصره إن كان ثقة ويأخذ بقوله؛ وإن كان فيه فقيهان فيما (57) اتفقا عليه، وإن اختلفا نظر الأشبه عنده من قولهما، وإن كانوا ثلاثة وتقاربوا في الفقه فيما اتفقوا عليه، وإن اتفق اثنان منهما فبقولهما إن اختلفوا، وإن قال كلٌّ بقول نظر هو في أقوالهم. وإن كان له فيما ابتلي به رأي إنْ تأهَّل له، وكان عليه زمانًا ثم رأى غيره أصوب رجع إليه، ولا يقيم على الأوَّل إن رآه خطأ، ولزم التسليم لما قضى به الثقة.
وإن أفتى عالم لجاهل فعمل بفتياه زمانا، ثم قال له استحسنت غيره، اجتهد ولو جاهلا، فإن كان ما رجع عنه أصوبهما فلا يرجع هو عنه لرجوع العالم، وإن رأى الثاني أحسن من الأوَّل، اتبعه فيه ولا يسعه الثبوت على الأوَّل فالقولان للعالم كالعالمين، وإن استوى الفقهاء أخذ بقول أورعهم، وإن استووا فبالأسنِّ والأقدم، وإن استووا في الكل فبما يشاء إن لم يبصر، وإن أبصر نظر بنفسه.