الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٨٠الباب السابع عشر
في مخاطبة الله لعباده وأمره لهم
فالأشبه أنَّه إن ورد بفعل خاصٍّ بوقت جاز للمأمور إيقاعه أوله أو وسطه، أو آخره؛ وتعجيله أفضل، وإن ورد غير مخصوص به جاز له تأخيره ما حيِيَ واختير وجوب تعجيله أوَّل أوقات الإمكان، لأنَّه إذا ورد مطلقا فإمَّا أن يلزم على الفور مع الإمكان أو التراخي، فآخر أوقات العمر كوسطه مجهول، فلا تتعلَّق العبادة به فيجب على الفور.
وصورة الأمر: افعلْ، نحو: ﴿أقيمُوا الصلاةَ … ﴾، ﴿اتَّقُوا اللهَ … ﴾، وصيغة النهي لا تفعل نحو: ﴿لا تأكلوا أموالَكُم بينَكم بالباطلِ … ﴾ الآية (80) (سورة البقرة: 188)، ﴿ولا تقْرَبوا الزنا … ﴾ (سورة الإسراء: 32)؛ فإذا ورد الخطاب مجردا عن قرينة، أو مقدمة، أو تابعة، حُمِل على الوجوب، والتحريم، وإلا فإنه يرد لمعان ذكرت في محلها.
وجاز تأخير البيان إلى وقت الحاجة لا عنه، لأنَّه إذا خاطب عباده بظاهر الإطلاق والعموم، ويريد التقييد والخصوص (81)، ولم يقرنه بمبيِّن له فقد ألزمهم أن يعتقدوا خلاف ما أراده منهم، يتعالى مولانا عن ذلك؛ فإنَّ لكلٍّ من وجوه الخطاب صيغة تخصُّه ويعرف منها حكمه، غير أنَّ العرب -لسعة لغتها، وكثرة معاني كلامها- تعبِّر عن الخصوص بالعموم، وبالعكس، وبالحقيقة عن المجاز، وبالعكس، إلى غير ذلك، ويتبيَّن ذلك بالقرائن وعليها جاء الكتاب، والسنَّة.