الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٨١الباب الثامن عشر
في التكليف
وهو إلزام الله العبد ما فيه كلفة، عند إيجاده الاستطاعة فيه، وهي عرض يوجد فيه مع الفعل لا قبله، ويتوجه إليه التكليف من طريق العقل، ومن طريق النقل.
أمَّا من العقل فإنه يجب عليه أوَّل حال بلوغه أن يعلم الله سبحانه وأنَّه واحد عالم قادر بمجرد عقله كما هو مبيَّن في محلِّه، وأنَّه مكلف بذلك.
وأمَّا من طريق النقل من ورود السمع ومعاينة البصر بغير لازم فرضه ولا هالك من جهله قبله، إلا بعد قيام الحجة عليه بالخبر، فإذا طرق سمعه لزمه فرضه إن كان مفسرا في لفظه، وإلاَّ فحتَّى يسأل عنه من يعبِّر له عنه بخطابه. ومالم تقم على المكلَّف حجة فهو سالم بجهله فيما طريقه السمع.
ومن التكليف ما أمر به اعتقاده، ومنه ما أمر بفعله، ومنه ما أمر بالكفِّ عنه.
والعبُّد مأخوذ من شرع مسموع، ومن عقل متبوع فيما لا يمنع منه الشرع، وبالعكس، لأنَّه لا يرد بما يخالف العقل، وإنما يتوجَّه التكليف إلى من كمل عقله، وقد ذكرنا مراتبه في "شرح مرج البحرين" (82)، والأحكام العقلية لا تكون أصولا للشرعية.
ويلزم قيل منقطعا عن الناس ولا علم له بهم، ولا بالشرائع أن يعلم من ذات عقله [29] أنَّ له خالقا خلقه، وصانعا صنعه، لما يراه من خلق السموات والأرض، وتقلُّب الليل والنهار، واختلاف الأحوال، بل ولِمَا يبصره ويعقله في ذات نفسه. وعليه أن يكفَّ عن جميع ما قبح في عقله كقتل الحيوان. ومن كان قيل على دين عيسى ولم يبلغه مبعث محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، ولقي أعرابيا جافيا أو عبدا أو امرأة جافية، فأخبره به قامت عليه الحجَّة، وانقطع عذره به، ولزمه الإيمان به، ولم يسعه المقام على دين عيسى؛ فإن مات عليه مات كافرا، وليس هذا من مقصودنا هنا.