التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله الثميني، الملقَّب بـ «ضياء الدين»

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٩٦

فصل

الدعاء أيضا على ضربين:

* أحدهما: يفعله الله لعبده ولو لم يدعه، مثل ما حكاه عن ملائكته في قوله: ﴿ربَّنا وسعتَ كلَّ شيء رحمةً وعلمًا … ﴾ الآية (سورة غافر: الآية 7). وقد علمنا أنَّه يدخل عباده المؤمنين الجنَّة، وأنَّه يغفر للذين تابوا، وإن لم يدعه بذلك داع.

* والثاني: ما ليس من حكم الله أن يفعله إلاَّ بعد الدعاء، كدعاء الأنبياء للأشياء التي لولا دعاؤهم بها لما اتَّفق كونها على سبيل ما اتَّفقت عليه من الكثرة، ومواقيت الأفعال، لعلم الله تعالى أنَّ ذلك لا يكون موجبا للحجَّة ولا موافقا موضع المصلحة إلاَّ إن كانت بعد الدعاء.

والمؤمنون يوجِّهون دعاءهم إلى الله في النصر على الكفَّار وفي الاِستقاء وكشف المكاره، رغبة إلى الله وطمعا في أنَّ اجتهادهم سبب في اجتلاب ما سألوه. وقد يجري أيضا مجرى التقديس والتسبيح والذكر. والإجابة تكون بموافقة الإرادة.

وفي الخبر أنَّ دعوة المظلوم والحاجِّ والوالد مستجابة، لا ترد ولو فاسقا أو مشركا؛ ولو كانت الإجابة تستلزم تشريف الداعي وتعظيمه لم يجزْ للنبيء صلَّى الله عليه وسلَّم أن يجيب سائلا غير مؤمن تقيٍّ والمختار أنَّها قد تكون ثوابا وغيره، ولمؤمن وغيره بحسب علم الله سبحانه في فعل ذلك من الصلاح، وأنَّها (106) ليست مضمونة لكلِّ داعٍ، ولا دلالة في قوله: ﴿اُدعوني أستجبْ لكم﴾ (سورة غافر: 60) وفي قوله: ﴿أجيبُ دعوة الداعي﴾ (سورة البقرة: 186) على العموم كما توهِم، وإنَّما هو إخبار وإعلام بأنَّه ذو إجابة لمن أراد إجابته؛ كما أنَّه وصف نفسه بأنَّه ﴿ذو مغفرةٍ للنَّاسِ … ﴾ الآية (سورة الرعد: 6)؛ وليست على عمومه اتِّفاقا.

٩١ / ٣٬٥٨٥