وجهة نظر في مسألتي رفع اليدين وقبضهما في الصلاة لإبراهيم بولرواح
الجزء ١ · صفحة ١٠٠*6* ما روي عند القوم من الاستشكال بعد زمن الصحابة(1)
(1) – * اجتمع أبو حنيفة مع الأوزاعي بمكة في دار الحناطين -كما حكى ابن عيينة- فقال الأوزاعي: ما بالكم لا ترفعون عند الركوع والرفع منه؟ فقال: لأجل أنه لم يصح عن رسول الله ? فيه شيء. فقال الأوزاعي: كيف لم يصح وقد حدثني الزهري عن سالم عن أبيه أن رسول الله ? كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وعند الركوع وعند الرفع منه؟ فقال أبو حنيفة: حدثنا حماد عن إبراهيم عن علقمة والأسود عن عبد الله بن مسعود أن النبي ? كان لا يرفع يديه إلا عند افتتاح الصلاة ثم لا يعود لشيء من ذلك. فقال الأوزاعي: أحدثك عن الزهري عن سالم عن أبيه، وتقول حدثني حماد عن إبراهيم؟ فقال أبو حنيفة: كان حماد أفقه من الزهري، وكان إبراهيم أفقه من سالم، وعلقمة ليس بدون من ابن عمر في الفقه، وإن كانت لابن عمر صحبة وله فضل صحبة فالأسود له فضل كثير، وعبد الله عبد الله. السيواسي: شرح فتح القدير، 1/ 311/ج ت. القاري: مرقاة المفاتيح، 2/ 468/ج ت.
* يقول السابعي (في بحث مرقون لدى الباحث نسخة منه): وإلى جانب ذلك نجد موقفاً غريباً ممن يرفع يديه في بعض مواضع الصلاة، حيث يريبنا كلام الإمام أبي حنيفة وهو الذي يروي الرفع عند تكبيرة الإحرام فقط.
واقرأ معي هذه الحادثة حيث التقى عبد الله بن المبارك وأبوحنيفة، فكان بينهما هذا الحوار. يقول وكيع بن الجراح:
"صليت في مسجد الكوفة، فإذا أبو حنيفة قائم يصلي، وابن المبارك إلى جنبه يصلي، فإذا عبد الله يرفع يديه كلما ركع وكلما رفع، وأبو حنيفة لا يرفع، فلما فرغوا من الصلاة، قال أبو حنيفة لعبد الله: يا أبا عبد الرحمن، رأيتك تكثر رفع اليدين، أردت تطير؟ فقال له عبد الله: يا أبا حنيفة، قد رأيتك ترفع يديك حين افتتحت الصلاة، فأردت أن تطير؟ فسكت أبوحنيفة.
قال وكيع: فما رأيت أحضر من جواب عبد الله لأبي حنيفة" [البيهقي: السنن الكبرى، 2/ 117].
إذن فرفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه لا معنى له عند أبي حنيفة، وكذا عند جمهور الأحناف.
والمحدثون ومعهم الشافعية وغيرهم يروون هذه الحادثة ويجعلونها مثلاً للجواب الحاضر وسرعة البديهة.
ومع أن وكيعاً هو الراوي لها عن مشاهدة، وهو المتعجب من جواب ابن المبارك، إلا أن الأعجب أن وكيعاً نفسه يذهب مذهب أبي حنيفة في عدم الاقتصار على الرفع عند الافتتاح فحسب كما سبق ذكره، وجواب ابن المبارك لم يقنع كلاً من أبي حنيفة ووكيع، ولم يريا كلامه دافعًا القول بكون الرفع في ذينك الموضعين لا معنى له ولا حكمة فيه.
ويبدولي -والعلم عند الله سبحانه- أن جواب ابن المبارك لأبي حنيفة غير دقيق، فإن تشبيه أبي حنيفة الرفع بالطيران مفسر بقوله في الرواية أعلاه: (رأيتك تكثر رفع اليدين) فالإكثار من رفع اليدين أشبهَ حركةَ جناحي الطائر عند توثبه للطيران، بخلاف المرة الواحدة التي يفعلها أبوحنيفة عند تكبيرة الإحرام. اهـ كلام السابعي.
* وقد علق التهانوي على هذه الحادثة التي أوردها البخاري في جزء رفع اليدين فقال: ولا حجة في هذا الجواب للخصم أصلا؛ فإن أبا حنيفة إنما شبه الرفع بالطيران كما شبه النبي - صلى الله عليه وسلم - رفع الأيادي عند السلام بأذناب خيل شمس، ومراد الإمام أن هذا الرفع في غير موضعه، فينبغي تركه كما هو مراده - صلى الله عليه وسلم - بهذا التشبيه، فما أورده ابن المبارك على الإمام يرد على الحديث أيضا؛ فإنه يمكن أن يقال: إن كان الرفع عند السلام كأذناب خيل شمس فهو عند الافتتاح مثلها، وإلا فلا، فما هو جوابكم في الحديث فهو جوابنا عن قول ابن المبارك، فافهم. اهـ. التهانوي: إعلاء السنن، 3/ 57.