وجهة نظر في مسألتَيْ رفع اليديْن وقبضهما في الصلاة إبراهيم بن علي بن عمر بولرواح

وجهة نظر في مسألتي رفع اليدين وقبضهما في الصلاة لإبراهيم بولرواح

الجزء ١ · صفحة ١٣٣

1 - حديث سهل بن سعد: «كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة. قال أبوحازم: لا أعلمه إلا ينمي ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -».

- هذا الحديث لا غبار عليه من حيث السند، وهو في الموطأ والبخاري، وليس في صحيح مسلم.

- قال محمد عابد: " .. وفيه أن الخلاف موجود، وأن ما ذكره [ابن حجر في الفتح] من أن قول الصحابي (كنا نفعل كذا أو نؤمر بكذا) مسند ولو لم يصرح بإضافته لزمن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو اختيار أبي عبد الله الحاكم. وقال أبو الحسن الدارقطني والخطيب والإمام أبو بكر الإسماعيلي وغيرهم: لا يكون مرفوعا بل هو موقوف لا غير.

وقال الجمهور من المحدثين والفقهاء والأصوليين: إن لم يضفه إلى زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - فليس بمرفوع، وإن أضافه فقال: كنا نفعل في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو في زمنه، أو فينا، أو بين أظهرنا، ونحو ذلك فهو مرفوع، هذا هو المذهب الصحيح، قاله النووي في شرح مسلم(1).

(1) – أقولُ: يبدو أن قول النووي قد التبس عليه، وإلا فإن النووي قد بين أن قول الصحابي (كنا نقول أو نفعل أو يقولون أو يفعلون كذا أو كنا لا نرى أو لا يرون بأسا بكذا) موقوف على المذهب الصحيح. وأن قول الصحابى (أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا أو من السنة كذا) مرفوع على المذهب الصحيح الذي قاله الجماهير. [انظر النووي: شرح صحيح مسلم، المقدمة، 1/ 30/ج ت].

ولا بأس أن ننقل هنا بعض النصوص في مسألة قول الصحابي (أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا) لنتبين مدى صحة نسبة حديث سهل بن سعد للنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فقد قال السرخسي:

"واختلف العلماء في فصل من هذا الجنس، وهو أن الصحابي إذا قال (أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا أو السنة كذا) فالمذهب عندنا أنه لا يفهم من هذا المطلق الإخبار بأمر رسول الله - عليه السلام - أو أنه سنة رسول الله. وقال الشافعي (في القديم): ينصرف إلى ذلك عند الإطلاق، و (في الجديد) قال: لا ينصرف إلى ذلك بدون البيان؛ لاحتمال أن يكون المراد سنة البلدان أو الرؤساء، حتى قال في كل موضع قال مالك -رحمه الله-: السنة ببلدنا كذا؛ فإنما أراد سنة سليمان بن بلال، وهو كان عريفا بالمدينة. وعلى قوله القديم أخذ بقول سعيد بن المسيب - رضي الله عنه - في العاجز عن النفقة: إنه يفرق بينه وبين امرأته؛ لأنه حمل قول سعيد السنة على سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك أخذ بقوله في أن المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية بقول سعيد فيه السنة، فحمل ذلك على سنة رسول الله - عليه السلام -. ولم نأخذ نحن بذلك؛ لأنا علمنا أن مراده سنة زيد، ورجحنا قول عليّ وعبد الله -رضي الله عنهما- على قول زيد - رضي الله عنه - بالقياس الصحيح.

وحجتنا في ذلك: أن الأمر والنهي يتحقق من غير رسول الله - عليه السلام - كما يتحقق منه، قال تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾، وعند الإطلاق لا يثبت إلا أدنى الكمال؛ ألا ترى أن مطلق قول العالم (أمرنا بكذا) لا يحمل على أنه أمر الله أنزله في كتابه نصا، فكذلك لا يحمل على أنه أمر رسول الله - عليه السلام - نصا؛ لاحتمال أن يكون الآمر غيره ممن يجب متابعته. وكذلك السنة فقد قال - عليه السلام -: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي»، وقال - عليه السلام -: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة». وقد ظهر من عادة الصحابة التقييد عند إرادة سنة رسول الله - عليه السلام - بالإضافة إليه على ما قال عمر لصبي بن معبد: هديت لسنة نبيك. وقال عقبة بن عامر - رضي الله عنه -: ثلاث ساعات نهانا رسول الله - عليه السلام - أن نصلي فيهن. وقال صفوان بن عسال - رضي الله عنه -: «أمرنا رسول الله - عليه السلام - إذا كنا سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليها» الحديث. فبهذا يتبين أنهم إذا أطلقوا هذا اللفظ فإنه لا يكون مرادهم الإضافة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نصا ومع الاحتمال لا يثبت التعيين بغير دليل". [السرخسي: أصول السرخسي، 1/ 380 - 381/ج ت].

- وقال الجويني: "اختلف الأصوليون من أصحاب الشافعي وغيره في مسئلتين، إحداهما: أن الصحابي إذا قال (أمرنا بكذا و نهينا عن كذا) فهل يحمل ذلك على أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ونهيه؟ فذهب بعضهم إلى أنه لا يحمل عليه؛ لجواز أن يعني بقوله أمرنا بعض الخلفاء، أو اعتقاد أمر الله تعالى بظاهر يتمسك به من الكتاب. ومنهم من قال: يحمل ذلك على أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإليه صار الأكثرون. والذي يجب أن نختار في ذلك أن اللفظة مترددة؛ فإن تعرَّت عن القرائن وقارنها الاحتمال فلا يحمل على أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وإن اقترن اللفظ من قيد مقال أو قرينة حال فيجري على قضيتها حينئذ". [الجويني: التلخيص في أصول الفقه، م1130، 2/ 412/ج ت].

- وقال الزركشي: "المرتبة الرابعة أن يبني الصيغة للمفعول فيقول (أُمِرْنَا بكذا أو نُهِينا عن كذا) فهذا يتطرق إليه من الاحتمالات ما يتطرق لِـ (قال وأمر)، وَيَزِيدُ أن يكون الآمر والناهي بَعْضَ الخلفاء أو الأمراء، والذي عليه الشافعي وأكثر الأئمة أنه حُجَّةٌ، وَصُرِفَ الْفِعْلُ إلى من له الأمر وهو النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبه قال عبد الجبار وأبو عبد الله البصري. وخالف أبو بكر الصيرفي والإسماعيلي وإمام الحرمين مِنَّا والكَرْخِي والرازي من الحنفية وَأَكْثَرُ مالكية بغداد ومنعوا إضافة ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لِعَدم تسمية الفاعل؛ لأنه يُحْتَمَل غيرُه قطعا، فلا يضاف إليه بالاحتمال، وحكى أبو الحسين بن القطان أن الشافعي نَصَّ (في الجديد) على أنه ليس في حُكْمِ الْمَرْفُوعِ، و (في القديم) على أنه مَرْفُوعٌ وسيأتي بيانُهُ. وحكى ابن السمعاني قولا ثَالِثًا بالوقف. وحكى ابن الأثير الجزري (في مقدمة جامع الأصول) قولا رَابِعًا بالتفصيل بين أن يكون القائل ذلك الصِّدِّيقَ فَمَرْفُوعٌ؛ لأنه لم يتأمر عليه غيره. وَيَخْرُجُ من كلام ابن دقيق العِيدِ [قولٌ] خَامِسٌ فإنه قال (في شرح الإِلمام): إن كان قائله من أكابر الصحابة كالخلفاء الأربعة فيغلِب على الظن غلبةً قويةً أَنَّ الآمر هو الرسول، وفي معناهم علماءُ الصحابة كابن مسعود وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل، وفي معناهم من كَثُرَ إِلمامُه بالنبي وَمُلازمتُه كأنس وأبي هريرة وابن عمر وابن عباس، وإن كان ممن هو بَعيدٌ عن مثل ذلك من آحاد الصحابة الذين تأخر التحاقهم برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو يفدون إليه ثم يعودون إلى بلادهم فإن الاحتمال فيهم قَوِيٌّ، انتهى. وحاصلُه تَفاوت الرُّتَب في ذلك، ولا شك فيما قال، والأظهر قبوله مُطْلَقًا وإضافته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن مراد الصحابي إنما هو الاحتجاج بقوله (أُمِرْنَا) فيجب حملُ الأمر على صدوره ممن يُحتجّ بقوله وهو النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ غيرُهُ لا حُجّة في أمره". [الزركشي: البحر المحيط في أصول الفقه، 3/ 432/ج ت].

- وفي المسودة لآل تيمية: "مسألة: فان قال الصحابى (أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا أو رخص لنا فى كذا) انصرف ذلك الى النبي - صلى الله عليه وسلم - عندنا، وبهذا قال أكثر الحنفية والشافعية، خلافا للرازى والصيرفى والكرخي وكذلك الجوينى في (أمرنا ونهينا) ولم يذكر (رخص لنا). وقال ابن الباقلاني وصاحبه فى (أمرنا ونهينا وأحل لنا وحرم علينا وكانوا يفعلون كذا) ليس بحجة عنده. واختار أبوالطيب الأول وقال: هو الظاهر من المذهب، ولم يذكر في (رخص لنا) خلافا، بل جعلها أصلا، واحتج بها فى المسألتين، وكذلك ابن عقيل مثله، قال ابن عقيل: إذا قال الصحابي (أمرنا بكذا أو من السنة كذا أونهينا عن كذا) فهو راجع الى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمره ونهيه وسنته. وإن قال التابعى ذلك فهو كالمرسل". [آل تيمية: المسودة، 1/ 266/ج ت]

- وقال ابن حجر -بعد نقل حكاية ابن عبد البر للاتفاق-: "وفي نقل الاتفاق نظر؛ فعن الشافعي في أصل المسألة قولان، وذهب إلى أنه غير مرفوع أبو بكر الصيرفي من الشافعية، وأبو بكر الرازي من الحنفية، وابن حزم من الظاهرية. ومما هو في حكم المرفوع قول الصحابي (أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا) فالخلاف فيه كالخلاف في الذي قبله". [ابن حجر: نخبة الفكر، ص]

- وقال الأمير الصنعاني: "فاعلم أنهم جعلوا للصحابي سبع مراتب فيما يرويه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .... الرابعة: قوله (أمرنا بكذا أو أمر بصيغة البناء للمفعول أو نهينا عن كذا) فإنه يحتمل أن الأمر غير الرسول - صلى الله عليه وسلم - من أحد الخلفاء أو أنه استنباط من الصحابي وأنه سمع النهي فاستنبط منه الأمر؛ بناء على أن النهي عن الشيء أمر بضده". [الصنعاني: إجابة السائل شرح بغية الآمل، 1/ 133/ج ت].

١٣٣ / ١٦٦