وجهة نظر في مسألتي رفع اليدين وقبضهما في الصلاة لإبراهيم بولرواح
الجزء ١ · صفحة ١٥٥ومن جهة أخرى فإنه لا يزيد القضية إلا ريبة وتخبطا، بدلا من تأييد مشروعية القبض وأنه سنة ثابتة غير منسوخة.
وإذا قيل: ولو صح ذلك عن مالك، وصح ما نقله هؤلاء عنه؛ فإنه لا عبرة بقول الرجال في مخالفة السنة؛ فإن الجواب حينئذ: إن هذه السنة المدعاة هي من نقل هؤلاء الرجال، فإذا تركوها وهم يرون صحتها فهم ليسوا بأهل لأن يكونوا أئمة يقتدى بهم، بل إن من شأن هذا القدح في عدالتهم، وعدم قبول أحكامهم الأخرى في الرجال والروايات.
*8* في جملة الأحاديث المثبتة للقبض نجد للبخاري ومسلم حديثين هما من أقوى ما يستدل به على الموضوع، انفرد كل واحد منهما بحديث دون الآخر -البخاري بحديث سهل، ومسلم بحديث وائل-، مع ما هو معلوم من اعتنائهما بالروايات الصحيحة وتبحرهما في ذلك، والظن بهما أن ذلك لاطلاع كل واحد منهما على علة حديث الآخر، غير أن البخاري أشار إلى علة حديثه الذي أخرجه، ولم نجد ذكرا عند مسلم لعلة حديثه الذي أخرجه، ولا ندري أكان ذلك منه غفلة أو إغفالا، وعلى كل حال فإن إخراج البخاري ومسلم لذينك الحديثين دون غيرهما يعني أنهما أصح ما عندهما، وهذا يكفي شهادة على عدم صحة بقية الأحاديث الواردة في القبض(1)، وإذا زدنا إلى ذلك ما تقدم من العلل حتى في ما رواه البخاري ومسلم في الموضوع؛ فإن النتيجة أن قبض اليدين لم يثبت فيه شيء، ويؤيد ذلك موقف الإمام مالك المشهور عنه أكثر من غيره، وإن اعتل البعض باختلاف النقل عن مالك، أو نفي ما نسب إليه أصلا.
*9* قول البيهقي في أثر سعيد بن جبير -على ما تقدم ذكره فيه- "إنه أصح أثر روي في هذا الباب" يُظهِرُ أن الباب لم يصح فيه شيء؛ لأن البيهقي -وهو من هو في تبحره في الحديث- من القائلين بالقبض المنتصرين له، وقد جمع فيه أحاديث كثيرة، ورغم ذلك قال ما قال.
(1) – انظر؛ الشنقيطي: إبرام النقض، ص25.