وجهة نظر في مسألتَيْ رفع اليديْن وقبضهما في الصلاة إبراهيم بن علي بن عمر بولرواح

وجهة نظر في مسألتي رفع اليدين وقبضهما في الصلاة لإبراهيم بولرواح

الجزء ١ · صفحة ٣١

ولا بأس قبل ظهور تلك النتيجة من القول: على فرض صحة أسانيد تلك الأحاديث وبلوغها درجة التواتر؛ فلماذا اختلف المسلمون في هذه المسألة، وتباينت آراؤهم فيها؟ أم أن العبرة بما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وآراء الرجال بعدها هي خلاف للسّنّة وَحِيدَةٌ عن الحق؟ مع العلم بأن المختلفين هم أئمة الشأن قبل غيرهم. وهذا ما سنحاول تجليته فيما يأتي -بحول الله-.

غير أن صحة تلك الأحاديث -بعد شيء من البحث- هي محل ريبة، بعد أن تبين أن أقواها -عند المثبتين للرفع- ليست صحيحة -بشهادة أهل العلم بالحديث-، وإنما هي من الضعف بما يجعلها غير صالحة للاحتجاج، ولا عبرة بورودها في ما يسمى بالصحيحين، فضلا عن غيرهما.

وقد قال العلامة زاهد الكوثري(1): "لم يسلم سند من أسانيد الرفع عند الركوع من علة؛ بل لم يصح حديثٌ في الرفع غيرُ حديث ابن عمر، وهو لم يأخذ به في رواية أبي بكر بن عياش(2)،

(1) – الكوثري: تأنيب الخطيب، ص136.

(2) – قد اعترض ابن حجر على ذلك فقال: وأما الحنفية فعولوا على رواية مجاهد أنه صلى خلف ابن عمر فلم يره يفعل ذلك، وأجيبوا بالطعن في إسناده؛ لأن أبا بكر بن عياش راويه ساء حفظه بأخرة، وعلى تقدير صحته فقد أثبت ذلك سالم ونافع وغيرهما عنه وستأتي رواية نافع بعد بابين، والعدد الكثير أولى من واحد، لا سيما وهم مثبتون وهو ناف، مع أن الجمع بين الروايتين ممكن، وهو أنه لم يكن يراه واجبا ففعله تارة، وتركه أخرى [فتح الباري: 2/ 220].

وقد أجاب التهانوي على هذا الاعتراض فقال: "لا يضرنا كون أبي بكر بن عياش ساء حفظه بآخره بعد ما قال فيه ابن عدي: أبو بكر بن عياش كوفي مشهور، وهويروي عن أجلة الناس (إلى أن قال:) هوفي كل رواياته عن كل من روى عنه لا بأس به، وذلك أني لم أجد له حديثا منكرا إذا روى عن ثقة إلا أن يروي عن ضعيف. اهـ. كذا في تهذيب التهذيب (12/ 35). وهذا الحديث برواية الثقة عنه؛ فإنه رواه عنه أحمد بن يونس، وهو من رجال الجماعة ثقة، كذا فيه (1/ 50)، وقد احتج به البخاري من طريق أحمد بن يونس في كتاب التفسير من صحيحه". التهانوي: إعلاء السنن، 3/ 64.

وزاد محمد تقي العثماني قائلا: "والبخاري لا يحتج بحديث من تغير بآخره، إلا إذا كان بطريق أصحابه الذين سمعوا منه قبل الاختلاط، كما عرف في شروط الصحيح". العثماني: بهامش إعلاء السنن، 3/ 65.

وقال التهانوي -أيضا-: "وأما قول الحافظ (والعدد الكثير أولى من واحد ولا سيما وهم مثبتون وهوناف) فالجواب عنه بأن التطبيق بين الحديثين ممكن بأنه كان يرفع أولا لعدم العلم بنسخ الرفع في ما سوى الافتتاح، ثم تركه لما علم به، فلا يجوز ترك أحدهما بالآخر. والإثبات وإن كان مقدما على النفي ولكن لا مطلقا؛ بل إذا لم يكن على النفي دليل، والأمر هنا ليس كذلك؛ فإن مجاهدا - رضي الله عنه - قد سعى في ضبط أفعال ابن عمر - رضي الله عنه - في الصلاة حق السعي، ثم أخبر عنه كما يدل عليه قوله (صليت خلف ابن عمر الخ)، فنفيه حينئذ مثل الإثبات". [التهانوي: إعلاء السنن، 3/ 66].

أقولُ: وهكذا كلما أدلى فريق باعتراض أدلى الفريق الآخر باعتراض على اعتراضه، حتى إن المرء ليحار أمام هذا التجاذب بين هم أئمة الشأن.

٣١ / ١٦٦