وجهة نظر في مسألتي رفع اليدين وقبضهما في الصلاة لإبراهيم بولرواح
الجزء ١ · صفحة ٧١ولو تجاوزنا حكم الرفع عند تكبيرة الاحرام -مع وجود الخلاف فيه كما تقدم- لوجدنا النزاع يحتدم بضراوة، لاسيما بين الأحناف من جانب، وبين الشافعية والمحدثين من جانب آخر، وكان من نتائج ذلك أن بعض الأحناف -من المتأخريين خاصة- أخذوا برفع اليدين ثلاث مرات، مما أدى إلى رد بعضهم على بعض.
وقد شارك في المعترك المالكية أيضا، وكان بينهم وبين غيرهم مقالات وردود، وانعكس أثر ذلك على المالكية أنفسهم، فوجد بينهم من أخذ برواية الرفع مرة واحدة، ومن أخذ برواية الرفع ثلاث مرات(1)،
(1) – هذه بعض النصوص التي تبين مدى تأصل النزاع فيما بين المذاهب، بل وبين أتباع المذهب الواحد بسبب موضوع الرفع: **روى ابن العربي المالكي قال:
"ولقد كان شيخنا أبو بكر الفهري يرفع يديه عند الركوع وعند رفع الرأس منه، فحضر عندي يوما بمحرس ابن الشواء بالثغر موضع تدريسي عند صلاة الظهر، ودخل المسجد من المحرس المذكور، فتقدم إلى الصف الأول وأنا في مؤخره قاعد على طاقات البحر أتنسم الريح من شدة الحر، ومعه في صف واحد أبو ثمنة رئيس البحر قاعد مع نفر من أصحابه ينتظر الصلاة، فلما رفع الشيخ يديه في الركوع وفي رفع الرأس منه قال أبو ثمنة لأصحابه: ألا ترون إلى هذا المشرقي كيف دخل مسجدنا؟ فقوموا إليه فاقتلوه وارموا به البحر فلا يراكم أحد، فطار قلبي من بين جوانحي، وقلت: سبحان الله!! هذا الطرطوشي فقيه الوقت. فقالوا لي: ولم يرفع يديه؟! فقلت: كذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل، وهو مذهب مالك في رواية أهل المدينة عنه، وجعلت أسكنهم وأسكتهم، حتى فرغ من صلاته، وقمت معه إلى المسكن من المحرس، ورأى تغير وجهي، فأنكره وسألني، فأعلمته فضحك، وقال: من أين لي أن أقتل على سنّة؟! فقلت له: لا يحل لك هذا، فإنك بين قوم إن قمت بها قاموا عليك، وربما ذهب دمك، فقال: دع هذا الكلام وخذ في غيره" [ابن العربي: أحكام القرآن، تفسير سورة البروج، المسألة الثانية، 4/ 371/ج ت].
**ومن ضمن الصراع الدائر بين الحنفية وبين غيرهم كتاب"رفع اليدين" للإمام البخاري الذي عنّف فيه على من يرى الرفع مقصورا على تكبيرة الاحرام فحسب، وهم أبو حنيفة وأصحابه [بل حتى على الإمام مالك في أحد أقواله]، وقسا في حكمه عليهم، وكان مما قال: "الرد على من أنكر رفع الأيدي في الصلاة عند الركوع وإذا رفع رأسه من الركوع، وأبهم على العجم في ذلك تكلفا لما لا يعنيه فيما ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من فعله وقوله ومن فعل أصحابه وروايتهم كذلك، ثم فعل التابعين واقتداء السلف بهم في صحة الأخبار بعض الثقة عن الثقة من الخلف العدول -رحمهم الله تعالى- وأنجز لهم ما وعدهم، على ضغينة صدره وحرجة قلبه نفارا عن سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مستحقا لما يحمله استكبارا وعداواة لأهلها، لشوب البدعة لحمه وعظامه ومخه، وأنسته باحتفال العجم حوله اغتراراً [رفع اليدين، ص20]
ويبدو أن موقف الإمام البخاري -مع حدته غير المقبولة- كان ردة فعل على من أنكر ذلك، فقد قال:
"من زعم أن رفع الأيدي بدعة فقد طعن في أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - والسلف ومن بعدهم .. " [رفع اليدين ص127].
ورفع الأيدي الذي يريده هو ما يكون في الموضعين بعد الافتتاح، أي عند الركوع وعند الرفع منه، كما يدل عليه كلامه من قبل.
وقد علق محقق الكتاب بديع الدين الراشدي على كلام البخاري فقال: "لأن المسألة بينهم إجماعية، كما تقدم من أقوال المصنف وعامة السلف، فهذا طعن لا شك فيه". [رفع اليدين، ص127، هامش رقم1].
إذن، فقد انضاف شيء آخر، هو دعوى الإجماع على قضية الرفع، وليس الرفع عند الافتتاح فحسب، بل حتى الإجماع على الرفع عند الركوع وعند الرفع منه!!
هذا، وقد عد بديع الدين الراشدي الرفع في الصلاة سنة "ولا يبغضها إلا حاسد أومعاند"، وألمح إلى أن من لم يرَها أويعمل بها فهو من "أهل البدع وأعداء السنن"!! [رفع اليدين، مقدمة المحقق ص5].
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوزه كثيرا، وها هو الأمر يتناول حكم الصلاة، فقد نقل عن الإمام أبي حنيفة القول بفساد صلاة من رفع اليدين بعد الافتتاح، وممن نقل ذلك مكحول النسفي الحنفي صاحب كتاب الشعاع، كما أن أمير كاتب بن أمير الإتقاني المكنى بأبي حنيفة صنف رسالة بفساد الصلاة بذلك، ورد عليه اللكنوي الحنفي قائلا: "ما أقبح كلامه وما أضعفه، أتفسد الصلاة بما تواتر فعله عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه؟! أما علم أن الصحابة منهم من كان يرفع ومنهم من كان لا يرفع، وكان يقتدي أحدهما بالآخر ولم يرو عن أحد منهم ما تفوه به؟!! أما فهم أن إمامنا وإن لم يأخذ بأحاديث الرفع ورجح عليها أخبار ترك الرفع لكن لم يشدد في ذلك كما تشدد هو فيما هنالك؟ أما تدبر في أن مكحولا الراوي لرواية الفساد من هو؟ وكيف هو؟ وهل تقبل روايته مرسله أم ترد عليه منتقضة؟ أما تفكر أن مشائخنا الثقات وفقهاءنا الأثبات قد صرحوا بعدم الفساد ولم يعتبر أحد منهم رواية الفساد؟ أفلا يكون إعراضهم موجبا لهجران تلك الرواية؟ أفلا يكون ذلك دليلا على أنها خلاف الدراية؟ وبالجملة فمقاصد التعصب وعدم التدبر لا تعد، والبشر له ذنوب وأخطاء لا تعتد" [رفع اليدين، هامش ص18].