السير والجوابات (ج 1) لسيدة إسماعيل كاشف - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٦١فإن كان لا يقاتل أحد، حتّى يعلم أنّه غالب، وأنّ الأمر له لم يقاتل أحد أبدا، وقد بلغنا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه سار إلى حنين، في اثني عشر ألفا، فأعجبتهم كثرتهم، فظنّوا أنّ الأمر لهم، وكان عدوّهم على الثلث منهم، فما نفعتهم كثرتهم، ولا قدروا منعا لأنفسهم، وأخطأ ظنّهم، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت، ثمّ ولّوا مدبرين، فالمسلمون يقاتلون في سبيل الله، فيقتلون ويقتلون، والأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتّقين. وقد بلغنا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه بعث المنذر بن عمر، في سبعة وعشرين رجلا إلى بن عامر، فلمّا ساروا بعض الطريق، تخلّف أربعة منهم، لأمر عرض لهم، ومضى القوم وهم ثلاثة وعشرون رجلا، فلقيهم عدوّهم، فقاتلوهم حتّى قتلوا جميعا، وأقبل الأربعة الذين كانوا تخلّفوا في آثار أصحابهم، وإذا هم بهم قد قتلوا على الماء جميعا، فتشاور القوم فيما بينهم، فقال بعضهم: نرجع إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فنخبره بخبر أصحابنا، وقال واحد منهم: لكنّي أتغذّى من غذاء أصحابي، فرجع ثلاثة منهم إلى نبيّهم، ومضى الرجل بنفسه وحده إلى القوم، فلم يزل يقاتلهم حتّى قتلوه، فما قولك في هؤلاء القوم القليل، الذين ساروا إلى قبيلة من قبائل العرب؟ وما قولك في هذا الرجل، الذي قاتل بنفسه حتّى قتل؟ وقد كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يبعث القليل إلى الكثير. وكذلك فعل المسلمون من بعده، وقد أثنى الله على الفئة الصالحة فقال: (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين).